أرقام الوفيات الناتجة عن إنفلونزا الخنازير مبالغ فيها
في ظل المخاوف المتزايدة من وباء إنفلونزا الخنازير يتقدم كثير من الأطباء والعلماء والخبراء، ليشككوا في دقة المعلومات التي توفرها الحكومات، إضافة إلى الإعلام عن هذا المرض ومدى انتشاره وخطورته.. ومن هؤلاء توم جيفرسون اختصاصي الأوبئة والذي أجرت معه مجلة دير شبيجل لقاء أخيرا. وقد تحدث الدكتور جيفرسون عن خطورة إثارة الذعر بين الناس بلا داع، إضافة إلى الأبحاث الممولة بهدف الوصول لنتائج معينة.
وردا على سؤال إن كان يرى أن إنفلونزا الخنازير تدعو للقلق، أجاب جيفرسون أن اتخاذ الحيطة ضروري، إلا أنه أكد من جهة أخرى أنه من المثير للعجب أنه وعبر السنين يصر بعض الناس على التنبؤ بأوبئة وتداعياتها، ولم يحدث أن تحققت تلك النبوءات إلا أنهم يصرون. وضرب مثلا بإنفلونزا الطيور التي كان يفترض أن تقتلنا جميعا. وعلق قائلا إنه يشعر أحيانا وكأن هناك صناعة كاملة تنتظر بشوق انتشار وباء. وبعد أن استفسر الصحافي عن قصده وضح أنه يعني منظمة الصحة العالمية ومسؤولي الصحة العامة واختصاصيي الفيروسات والشركات الدوائية. فبحسب جيفرسون هناك أموال طائلة ترجى من الأوبئة وتعتمد على ذلك وظائف ومؤسسات كاملة. وعندما سأله الصحافي إن كان يظن أن منظمة الصحة العالمية تسرعت في إعلان الوباء أجاب بملاحظة، وهي أن منظمة الصحة بدلت تعريف الوباء ليتلاءم مع إنفلونزا الخنازير. فالتعريف القديم يحدد الوباء بأن يكون ناتجا عن فيروس جديد ينتشر بسرعة، ولا مناعة ضده لدى الناس، إضافة إلى نسبة الوفيات العالية. ولم تستطع المنظمة إعلان إنفلونزا الخنازير كوباء، إلا بعد أن حذفت الشرطين الأخيرين من التعريف.
أما عن خطورة الإنفلونزا عموما ونسب الوفاة العالية بسببها، فيقول جيفرسون إن هذا مجال كبير للخلط. فيوضح أن هناك فرقا بين الإنفلونزا و أمراض أخرى تشبهها في الأعراض مثل الحرارة العالية واحتقان الحلق والكحة وآلام روماتزمية في الظهر والسيقان واحتمال الالتهاب الرئوي. فالإنفلونزا هي نتيجة لفيروسات الإنفلونزا المعروفة، أما الأمراض الأخرى فهناك أكثر من 200 فيروس مختلف يسببها ولا علاقة له بالإنفلونزا. ويضيف جيفرسون أن أرقام الوفيات الناتجة عن الإنفلونزا عموما دائما ما تكون خاطئة لأنه يحدث خلط بين وفيات الإنفلونزا وتلك الناتجة عن أمراض أخرى تشبهها. ويضرب مثلا بكبار السن الذين كثيرا ما يتوفون بسبب الالتهاب الرئوي، فلن يفكر أحد بتشريح جثثهم لاكتشاف سبب الوفاة الحقيقي ولكن غالبية الأطباء يفترضون أنها الإنفلونزا في حين أن هناك احتمالات أخرى كثيرة. ويضيف جيفرسون أن الفيروسات الأخرى (غير الإنفلونزا) التي تسبب الوفيات لا تحظى باهتمام كبير من الباحثين ولا من شركات الأدوية (مثل الراينوفيروس أو RSV) لأنها ببساطة غير مربحة، فلا توجد لها لقاحات ولا مضادات تباع وتدر الأرباح.
وأشار في هذا إلى مجموعة الشركات الدوائية التي تتحكم إلى درجة كبيرة في الأبحاث، لأنها هي التي تمولها.
وحين سأله الصحافي عن الوباء الكبير في عام 1918-1919 والذي كان بسبب فيروس الإنفلونزا كما يقال، أجاب جيفرسون بأن الدلائل تشير إلى أن هذا هو السبب غالبا، ولكن هناك أشياء كثيرة محيرة ولم يكتشفها العلماء بعد عن ذلك الوباء الذي قتل نحو 50 مليون إنسان حول العالم، كما أنه يضيف أن تلك الفترة في العالم كانت غنية بالبكتريا من أنواع كثيرة وقاتلة فقد يكون لها دور في نسبة الوفيات العالية.وعن اللقاح الذي يطور ضد إنفلونزا الخنازير يقول جيفرسون إنه لا يمكن التأكد من فعاليته إلا بعد استخدامه فعلا. وجدير بالذكر أن توم جيفرسون يعمل مع منظمة كوكران التعاونيةCochrane Collaboration وهي منظمة غير ربحية ومستقلة تعنى بتوفير معلومات دقيقة عن القضايا الطبية والصحية في العالم.وقد كان من ضمن أبحاث المنظمة تقييم منهجي للقاحات المستخدمة ضد الإنفلونزا الموسمية. ويقول جيفرسون إن نتائج التقييم ليست جيدة. فاللقاحات تحارب فيروسات الإنفلونزا فقط ولا تؤثر في الفيروسات الأخرى التي تسبب أمراضا شبيهة بالإنفلونزا التي هي مسؤولة عن وفيات أكثر من الإنفلونزا نفسها، ما يعني أن اللقاحات غير مؤثرة فيما يتعلق بنسب الوفيات العالية أثناء الشتاء. وبحسب جيفرسون, فإن مقاومة اللقاح لفيروسات الإنفلونزا محدودة جدا إضافة إلى أن تغير فيروسات الإنفلونزا بشكل مستمر يجعل اللقاحات غير فاعلة في كثير من الأحيان. ثم إن الدراسات التي أجرتها المنظمة بينت أن اللقاح يكون فاعلا في الشباب، أما مع الأطفال وكبار السن ففعاليته ضئيلة، والحقيقة أن اللقاحات مهمة أكثر بالنسبة لهاتين الفئتين أكثر من الشباب. وخلاصة القول أن جيفرسون لا يرى أي فائدة تذكر من الاستمرار باستخدام لقاحات الإنفلونزا. وحين سئل جيفرسون عن مضادات الإنفلونزا Tamiflu , Relenza التي تستخدم حاليا ضد إنفلونزا الخنازير ومدى فعاليتها ، أجاب أن تناولها في الوقت المناسب يقلل من مدة المرض كما أن هناك دراسة وجدت أنها تقلل من خطر الإصابة بالالتهاب الرئوي.أما عن أعراضها الجانبية فيقول أن التاميفلو يمكن أ، يسبب الغثيان,كما أن هناك إشارات تدل على علاقته بأعراض جانبية نفسية وذهانية. فهناك تقارير يابانية تقول إن الشباب الذين يتناولون التاميفلو يعانون اضطرابات عقلية مشابهة لمرض الشيزوفرينيا. وبناء على ذلك يقول جيفرسون إن استخدام هذه العقاقير مفيد عند شدة المرض وحدته، ولكن من عدم العقل أن يوزع التاميفلو على مدارس بأكملها وهو ما يحدث أحيانا الآن. ولذلك فلا يفاجئه أن فيروس إنفلونزا الخنازير بدأ يتحول ليصبح مقاوما للمضادات.
وفي النهاية، فإن ما ينصح به جيفرسون من واقع دراساته وتخصصه هو التركيز على الوقاية، وذلك بالاهتمام بغسل اليدين باستمرار، ولبس الأقنعة في الأماكن المزدحمة.
ويقول إن هذه الإجراءات تحمي إلى حد كبير من الإنفلونزا وغيرها، ولكنها إجراءات غير مريحة للبعض.