ما مدى اختلاف سياسته؟

ما مدى اختلاف سياسته؟

"تعتمد التنمية على الحكم الرشيد". حين يقول هذه الجملة أحد حكام تكساس البيض في غانا، الدولة الإفريقية التي ابتليت في السابق بتجارة الرقيق، يبدو ذلك تعاليا بعض الشيء. ولكن حين قالها أحد أبناء إفريقيا الذي أبهج انتخابه لأقوى منصب في العالم القارة بأكملها، تم قبولها بظاهرها دون التشكيك فيها. "علينا أن ننطلق من المبدأ القائل إن مستقبل إفريقيا منوط بالإفريقيين". بعبارة أخرى، ليس الحل هو منح المساعدات السخية للحكومات السيئة - وقد أوضح باراك أوباما أنه لا يزال هناك كثير منها. ولاقت صراحة الرئيس قبولا جيدا.
وفي الحقيقة، من المستبعد أن تختلف سياسة أوباما نحو إفريقيا كثيرا عن سياسة سلفه، التي كان ينظر إليها الأفارقة عموما بإيجابية، وكذلك معظم خبراء التنمية الإفريقية. ولم يكن هناك الكثير في الخطاب مما لم يقله جورج بوش، الذي صب سيلا من الأموال - أكثر بكثير من أي من أسلافه - في مشاريع مثل خطة الرئيس الطارئة للإغاثة من الإيدز وفي حسابات تحديات الألفية، التي كان أحد أسباب إغداق المال فيها هو مكافأة الحكم الرشيد.
ويعترف أوباما "بجهود بوش القوية". ولكنه حيّر المحللين حين أعلن أن إدارته "التزمت بتقديم 63 مليار دولار لمواجهة هذه التحديات". ولم يكن من الواضح فيما إذا كان هذا المبلغ يشمل المشاريع قيد التنفيذ أم أنه أموال جديدة، وعلى ماذا سيتم إنفاقها وما الفترة الزمنية التي سيتم إنفاقها فيها.
وقد شدد في عديد من الفقرات على أنه لا يمكن للحكومات السيئة، خاصة تلك الفاسدة أو القمعية، أن تتوقع منه أن يقدم لها المساعدات. وقال: "لقد أصدرت تعليمات لإدارتي لإيلاء اهتمام أكبر للفساد في تقاريرنا حول حقوق الإنسان". وهاجم أيضا القبلية التي، كما قال، "أعاقت لفترة طويلة" حياة والده الكيني المهنية. وأبرز بعض الأشرار الذين يحمّلون الآخرين مسؤولية المصائب التي جلبوها على أنفسهم. وصرّح بالقول: "إن الغرب ليس مسؤولا عن تدمير اقتصاد زيمبابوي خلال العقد الماضي".
وقد كان اختيار غانا باعتبارها أول دولة إفريقية يزورها بصفته رئيسا معبرا. فقد أشاد، مشيرا إلى نجاحها أخيرا في كل من الاقتصاد والديمقراطية، "بالبرلمانات القوية، وقوات الشرطة النزيهة، والقضاة المستقلين (تصفيق)، والصحافة المستقلة، والقطاع الخاص النشط، والمجتمع المدني." وأثنى على "القادة الذين يتقبلون الهزيمة بكرامة،" كما حصل أخيرا في غانا، وهو حدث نادر في إفريقيا. وأضاف: "لا تحتاج إفريقيا إلى رجال أقوياء، بل تحتاج إلى مؤسسات قوية".
وقد كان خطاب أوباما مهما بالقدر نفسه بسبب ما لم يأت على ذكره. فقد تم ذكر بعض القضايا الحساسة ولكن الملحة بصورة سريعة فقط. وتمشيا مع تصريحاتها في مناطق أخرى من العالم، تجنب أوباما عبارة "الحرب على الإرهاب" ومر مرور الكرام على حاجة أمريكا المتزايدة إلى النفط الإفريقي: ستحصل أمريكا قريبا على نحو ربع احتياجاتها من إفريقيا، خاصة نيجيريا وأنجولا. ولم يشر إلى أزمة الأمن والإنتاج في نيجيريا في منطقة دلتا الغنية بالنفط؛ حيث هاجم المتمردون هذا الأسبوع للمرة الأولى العاصمة التجارية لنيجيريا، لاجوس، ما أسفر عن مقتل ثمانية حراس وإشعال النيران في المنشآت النفطية.
في الواقع، على الرغم من عدم رغبة أوباما في الخوض في مسألة الأمن، إلا أن أكثر ما يسبب له القلق في إفريقيا، كما كان الحال مع بوش، لا يزال موضوع النزاع المسلّح. وأسوأ مشكلاته هي الصومال، حيث انتقد أقرب مستشاريه بوش لأنه تسبب في تفاقم الأوضاع عن طريق تسليح أمراء الحرب الصوماليين الذين يدعون أنهم يقاتلون التشدد الإسلامي. ولكن في الآونة الأخيرة، حصل أوباما على موافقة الأمم المتحدة لإرسال أسلحة إلى حكومة الصومال المحاصرة، التي يهددها الجهاديون ("الإرهابيون"، كما وصفهم بصراحة) المرتبطون بالقاعدة. ومن غير المرجح أن يسمح لسفنه الحربية أو طائراته بقصف معاقل الجهاديين في الصومال خوفا من إثارة سخط السكان المدنيين. ولكنه لا يريد أيضا أن يسمح لهذه الدولة الفاشلة بالانزلاق أكثر نحو "القاعدة".
ورحّب، بصورة عابرة بعض الشيء، "بالخطوات التي يتم اتخاذها من قبل منظمات مثل الاتحاد الإفريقي... لمعالجة النزاعات على وجه أفضل." وفضل ألا يقول إن الاتحاد الإفريقي فاشل بصورة واضحة في دعم الحكومة الصومالية. ومن المعروف أن عديد من أقرب مستشاري أوباما في شؤون إفريقيا يشعرون بالاشمئزاز من رفض الاتحاد الإفريقي عزل - ناهيك عن اعتقال - عمر البشير، رئيس السودان، الذي وجهت إليه اتهامات بارتكاب جرائم حرب. وقال أوباما: "حين تحدث عملية إبادة جماعية في دارفور، فإن هذه ليست مشكلات إفريقية فقط". وقال أيضا دون ذكر أسماء معينة: "سندعم الجهود الرامية إلى محاسبة مجرمي الحرب". ولكنه لم ينتقد رفض الاتحاد الإفريقي التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، التي يأمل أوباما أن يتم إرسال البشير إليها.
وربما لم تحدد إدارة أوباما سياستها تجاه السودان بعد. وكان عديد من أعضاء فريقه، خاصة سوزان رايس، سفيرته إلى الأمم المتحدة، وسامانثا باور في مجلس الأمن القومي، قد حثوا في السابق على اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لردع البشير فيما يتعلق بدارفور. إلا أن مبعوث أوباما الجديد إلى منطقة الصراع، Scott Gration، يسعى لارتباط دبلوماسي. وفي فترة رئاسة بوش، تم التوصل إلى اتفاق سلام منفصل بين الحكومة السودانية وإحدى حركات التمرد في الجنوب، التي ربما عرض عليها خيار الانفصال بعد الاستفتاء الموعود إجراؤه عام 2011. وقد يتم اللجوء إلى أوباما للمساعدة في معالجة هذه الفوضى إذا اندلع الصراع ثانية، كما يخشى الكثيرون، خلال العام المقبل أو نحو ذلك.
والمنطقة الشائكة الأخرى بالنسبة له هي كينيا، أرض أسلافه. فالكينيون، إلى جانب النيجيريين والجنوب إفريقيين، الذين قد يحظون بزيارة من أوباما في بطولة كأس العالم لكرة القدم العام المقبل، يشعرون بالحزن لأنه تم تجاوزهم. (من المقرر أن تزورها وزيرة الخارجية، هيلاري كلينتون، الشهر المقبل لحضور اجتماع تجاري كبير). ولم يشر أوباما إلى كينيا بصورة إيجابية. ولا شك أنه يدرك أنه يسود اعتقاد على نطاق واسع أن الرئيس الحالي، مواي كيباكي، سرق الانتخابات الرئاسية قبل عام ونصف من رايلا أودينجا، الذي يشغل الآن منصب رئيس الوزراء في الحكومة المتخبطة التي تتقاسم السلطة، والذي يصادف أنه ينحدر من الجماعة العرقية لوالد أوباما نفسها. إلا أن الدولة حليفة أمريكا منذ فترة طويلة في مجال الأمن في المنطقة. وقد يحين الوقت لكي يقوم أوباما بمحاولة معالجة المشكلات العديدة التي تعانيها كينيا، ولكن ليس بعد.
والحقيقة الأعمق هي أن إفريقيا ليست على رأس أجندة الرئيس الأمريكي. فقد كان خطابه في غانا حكيما ومؤثرا. ولكن في النهاية، كانت رسالته تنص على أن العلاقات الإفريقية ـ الأمريكية لن تشهد تغييرا كبيرا.

الأكثر قراءة