شبه معجزة

شبه معجزة

تبدو القروض متناهية الصغر أشبه بمعجزة. فهي عبارة عن تقديم قروض صغيرة غير مضمونة لأشخاص فقراء في الدول النامية الذين ترفض معظم البنوك إقراضهم. إلا أن هؤلاء المقترضين الصغار يسددون دائما قروضهم (بالإضافة إلى تسديد الفوائد العالية نسبيا) في الوقت المحدد، ما يوحي بأنهم يستخدمون الأموال بصورة منتجة وفعالة. ونتيجة لذلك، يدافع أنصار هذه الصناعة عنها ويقدمون حججا قوية: يعتقد محمد يونس، مؤسس بنك غرامين في بنجلادش والأب الروحي للتمويل الأصغر، أن 5 في المائة من عملاء بنك غرامين يتخلصون من الفقر كل عام. ومع ذلك، يشير الاقتصاديون إلى أن هناك القليل من التقديرات الموثوقة للمدى الذي تسهم فيه القروض متناهية الصغر فعلا في الحد من الفقر.
ولا يهم هذا كثيرا إذا تم جمع كل أموال التمويل الأصغر عبر السوق (يتم الآن جمع نسبة متزايدة منها بهذه الطريقة). وطالما أن المستثمرين راضين عن إيراداتهم، ليس هناك سبب للقلق. ولكن على الرغم من الاهتمام المتزايد من قبل المستثمرين في القطاع الخاص، إلا أن 53 في المائة من المبلغ الذي تم تخصيصه لصناعة التمويل الأصغر عام 2008، البالغ 11.7 مليار دولار، سيأتي بأسعار أقل من أسعار السوق من وكالات المعونة والبنوك متعددة الأطراف وغيرها من الجهات المانحة. وبالنظر إلى أن هناك أمورا أخرى يمكن إنفاق أموال المساعدات عليها، وأن الأساس المنطقي لدعم القروض متناهية الصغر هي فاعليته كأداة لمكافحة الفقر، من المهم بالنسبة للجهات المانحة أن تعرف فيما إذا كان ذلك يحدث التأثيرات التي يتم الترويج لها.
إن قياس تأثير القروض متناهية الصغر أمر معقد لأنه من الصعب اختبار الواقع المعاكس بسهولة - ماذا سيحدث للشخص الذي اقترض من مقرض القروض الصغيرة إذا لم يفعل ذلك؟ وقد قارنت عديد من الدراسات الأولية بين المقترضين وغير المقترضين. ولكن إذا كان المقترضون على أية حال أكثر ميلا إلى روح المبادرة في الأعمال من أولئك الذين لا يقترضون، فمن المرجح إذن أن مثل هذه المقارنات تبالغ بصورة كبيرة في تأثير القروض متناهية الصغر.
ومثل هذه المخاوف ليست تافهة. وقد تم إجراء دراسة شملت 1800عائلة في أرياف بنجلادش ووجدت أن 62 في المائة من الأبناء في سن الدراسة للعائلات التي اقترضت من بنك غرامين يذهبون إلى المدرسة، مقارنة بنسبة 34 في المائة من أبناء العائلات التي لم تقترض. ويقول أنصار القروض متناهية الصغر إن هذا يبين أن هذه القروض ساعدت على زيادة معدلات الالتحاق بالمدارس. إلا أن المقارنة بأشخاص من خلفيات مماثلة في القرى التي لا تستطيع الحصول على القروض متناهية الصغر أظهرت أن سبب هذا الاختلاف هو أن الأشخاص الأكثر احتمالا لأن يكون لديهم أطفال في المدرسة هم أيضا الذين سجلوا للحصول على القروض متناهية الصغر. وحتى المقارنات مع المناطق التي تملك أو لا تملك القروض متناهية الصغر قد تكون مضللة، لأن مقرضي القروض الصغيرة يختارون عادة العمل في مناطق تكون فيها احتمالات نجاحهم أكبر.
وقد دفع انتشار قضايا الاختيار الذاتي هذه الباحثين إلى وضع تجارب تسمح لهم بضمان أن تكون المشاركة في البرنامج محددة بصورة أساسية بالصدفة. وتطبق دراستان جديدتان هذه الفكرة لقياس تأثير الحصول على القروض متناهية الصغر. وقد عمل باحثون من Poverty Action Lab في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا مع شركة تمويل أصغر هندية لضمان سهولة الحصول على التمويل الأصغر في 52 من الأحياء الفقيرة في المدينة والتي تم اختيارها عشوائيا، في حين تم حرمان 52 حيا فقيرا آخر، مناسبة بالقدر نفسه، والتي كانت شركة الإقراض تتوق للتوسع فيها، من مثل تلك القروض. وسمح هذا للباحثين برؤية تأثير القروض متناهية الصغر بوضوح على المجتمع بأكمله. وقد نفذ Dean Karlan من جامعة يال وJonathan Zinman من كلية دارتموث، تجربة مماثلة في الفلبين، ولكن هذه المرة على مستوى المقترض الفردي. وقاما بتعديل برنامج أهلية الحصول على القروض لإحدى شركات التمويل الأصغر بحيث يتم قبول فقط مجموعة فرعية عشوائية من الأشخاص ذوي السجل الائتماني الضئيل بوصفهم عملاء. ويمكن بعد ذلك مقارنة هؤلاء العملاء بأولئك الذين سعوا للحصول على الائتمان ولكن لم يتم منحهم إياه.
وعموما، لم تجد أي من الدراستين أن القروض متناهية الصغر خفضت الفقر. ولم يكن هناك تأثير على استهلاك العائلات العادية، على الأقل في غضون عام إلى 18 شهرا من التجربة. وتم في الدراسة في الفلبين أيضا قياس احتمالية كون الشخص تحت خطر الفقر ونوعية الطعام الذي يأكله الناس، ولم تجد أي تأثيرات أيضا. وقد لا تكون القروض متناهية الصغر أيضا الخدمة المالية الأكثر فائدة لأغلبية الفقراء. وقد أدى قرض واحد فقط من بين كل خمسة قروض في دراسة حيدر آباد إلى إنشاء مشروع جديد. وقد يساعد توفير أماكن آمنة للناس لتخزين مدخراتهم (الصغيرة) بصورة أكبر على المدى الطويل.

صغيرة ومصاغة بصورة رائعة؟

ومع ذلك، كان للقروض متناهية الصغر تأثيرات يمكن ملاحظتها. وفي الهند، كان الناس في الأحياء الفقيرة التي تمكنت من الحصول على القروض الصغيرة أكثر احتمالا لتقليل شراء أمور مثل التبغ والكحول لصالح السلع المعمرة (خاصة سلع مثل عربات النقل اليدوية أو أواني الطبخ المستخدمة بصورة كبيرة من قبل التجار وأصحاب أكشاك الطعام). لذا، قد يكون أحد أسباب عدم زيادة الاستهلاك هو استخدام عدد أكبر من الناس جزء من دخلهم للبدء أو توسيع أعمالهم. ومن الواضح أن القروض متناهية الصغر سمحت للمزيد من الناس بالتغلب على حاجز تكاليف إنشاء الأعمال. ووجد باحثو معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا زيادة بنسبة الثلث لعدد الشركات التي تم فتحها في الأحياء الفقيرة التي كان فيها فرع لتقديم القروض متناهية الصغر. وقد يعني هذا أنه على الرغم من عدم وجود تأثير قابل للقياس على الفقر خلال فترة الدراسة، إلا أنه قد يكون هناك بعض التأثيرات خلال فترة زمنية أطول مع ازدهار تلك الشركات.
وبالطبع، من غير المرجح أن تكون القروض الصغيرة كافية للسماح لتلك الشركات بالنمو على نطاق فاعل. إلا أن دور القروض متناهية الصغر في السماح للناس بإثبات جدارتهم الائتمانية أمر له أهميته، خاصة إذا جعل نجاحهم البنوك أكثر استعدادا لإقراضهم مبالغ أكبر وإذا أدى إلى المزيد من النشاط الاقتصادي. ومن خلال الاستعداد للمراهنة على الأشخاص المبادرين في مجال الأعمال الذين لا يمتلكون أي وسيلة أخرى لإنشاء أعمال خاصة بهم، قد تساعد القروض متناهية الصغر على الحد من الفقر على المدى الطويل، حتى وإن كانت تأثيراتها على المدى القصير ضئيلة.

الأكثر قراءة