الذهب والفضة والاستقرار النقدي «1من 4»
حقبة شبه منسية من تاريخ القرن الـ19 تثبت أهمية التعاون الدولي في استقرار النظام النقدي العالمي، يمثل 1873 نقطة تحول في التاريخ النقدي. ففي تموز (يوليو)، قررت إمبراطورية الرايخستاج الألمانية إحلال المارك الذهبي محل مجموعة من العملات الفضية. وفي أيلول (سبتمبر)، قلصت مصلحة سك النقود في باريس إنتاج العملات المعدنية المصنوعة من الفضة، لينتهي بذلك معيار الذهب والفضة النقدي المزدوج الذي طبقته فرنسا لعقود طويلة. وفي مطلع العام نفسه، قرر الكونجرس الأمريكي إلغاء العملة الورقية المؤقتة التي استخدمت خلال أعوام الحرب الأهلية، ليحل محلها الدولار الذهبي بعد أن استأنفت الحكومة عمليات الدفع بالعملات المعدنية "1879". وكانت المملكة المتحدة تستخدم الذهب بالفعل. ومع نهاية سبعينيات القرن الـ19، كانت جميع دول العالم الصناعية الكبرى تستخدم العملات الذهبية. وأصبحت الفضة ـ التي كانت بأهمية الذهب نفسها حتى 1873 ـ معدنا ثانويا يستخدم في الأغلب في سك العملات في الدول الهامشية. وكان لذلك تأثير هائل في النظام النقدي.
فما بين 1873 ونهاية العقد، تراجعت قيمة الفضة بما يقارب 20 في المائة مقارنة بالذهب، بعد أن كان يتم تداول المعدنين بقيمة ثابتة طوال 70 عاما. وشهدت الدول العاملة بقاعدة الذهب موجة انكماشية حادة استمرت حتى أوائل تسعينيات القرن الـ19. غير أن تقدير التداعيات الحقيقية أكثر صعوبة لعدم توافر حسابات قومية شاملة عن سبعينيات هذا القرن، وإن كانت المؤشرات، كالإنتاج الصناعي، تعكس ركودا حادا ومطولا في دول عدة ـ ففي ألمانيا على سبيل المثال، تعرف أعوام ما بعد 1873 بحقبة الأزمة.
وبشأن النظام المعدني العالمي، فإن آلية عمل نظم العملات في القرن الـ19 اختلفت إلى حد كبير عن النظام النقدي الحالي، حيث كانت النقود تربط بالمعادن الثمينة "السبائك"، وكانت العملات المعدنية يتم سكها من السبائك، وكانت النقود الورقية قابلة للمبادلة مقابل السبائك بقيمة مضمونة.
وفي أوائل القرن الـ19، تم ربط عملات معظم الدول بالفضة ـ ما عدا في المملكة المتحدة، والولايات المتحدة بداية من منتصف ثلاثينيات القرن نفسه، اللتين استخدمتا الذهب. أما فرنسا، فقد ربطت عملتها بالذهب والفضة كليهما. فوفقا لقانون أصدره نابليون في 1803، كانت مصلحة سك النقود في فرنسا تدفع 200 فرنك لكيلو الفضة و3100 فرنك لكيلو الذهب. وأفضى هذا الضمان المزدوج للأسعار في فرنسا إلى نشأة نظام المعدنين العالمي، حيث ضمن قيمة صرف مستقرة بين الفضة والذهب "15،5 في المائة" وأسعار صرف شبه ثابتة بين جميع الدول التي تربط عملاتها بالذهب والفضة.
واستمر نظام المعدنين العالمي طيلة فترة تداول عملات الذهب والفضة جنبا إلى جنب في فرنسا. وكانت فرنسا آنذاك إحدى ركائز استقرار النظام النقدي العالمي: فمن خلال آلية تعرف باسم قانون جريشام، كانت التغيرات في كميات الذهب والفضة العالمية تؤدي أساسا إلى تغيرات في تكوين العملات في فرنسا، بينما ظلت أسعار الصرف بين عملات الذهب والفضة مستقرة. كذلك كان نظام المعدنين أكثر فاعلية في الحفاظ على استقرار الأسعار مقارنة بنظام قائم على أحد المعدنين فقط، نظرا إلى أن صدمات عرض الذهب والفضة كانت توازن بعضها بعضا.
وظل نظام المعدنين العالمي قائما بسلاسة ويسر حتى 1850 تقريبا حينما أدت اكتشافات الذهب الضخمة في كاليفورنيا وأستراليا إلى زيادة إنتاج الذهب عالميا بخمسة أضعاف. وحسب قانون جريشام، ارتفع نصيب الذهب في العملات المعدنية الفرنسية ـ من أقل من 30 في المائة في 1850 تقريبا إلى أكثر من 85 في المائة! في منتصف ستينيات القرن الـ19.
وتدريجيا، أدرك خبراء العملة خطر هذه التطورات على نظام المعدنين. فلو أن الذهب أقصى الفضة تماما من العملات المعدنية الفرنسية، لأصبحت فرنسا من الدول المطبقة لقاعدة الذهب بحكم الواقع، وانقطع الرابط بين عملات الذهب والفضة، وانقسم العالم إلى كتلتين، وربما أدى ذلك إلى تحركات حادة في أسعار الصرف والأسعار عموما... يتبع.