خطوة اليوان الصغيرة
كان الصينيون يسمّون الدولار mei jin، أي ''الذهب الأمريكي''. وكان شراء الدولارات في السوق السوداء أسلم طريقة لحماية المدخرات. ولكن في حزيران (يونيو)، حين أخبر تيم غيثنر، وزير الخزانة الأمريكي، الطلاب في جامعة بكين أن مقتنيات الصين الرسمية من سندات الخزانة آمنة، ضحك الحضور. فقد بدأت الثقة بالدولار بالتراجع.
وفي الفترة التي سبقت القمة السنوية لدول مجموعة الثمانية، والتي بدأت في الـ 8 من تموز (يوليو) في مدينة L'Aquila الإيطالية، دعا المسؤولون في الصين وروسيا والهند إلى إنهاء هيمنة الدولار في النظام النقدي الدولي. وفي الخامس من تموز (يوليو)، أعلن ديمتري ميدفيديف، الرئيس الروسي، أن نظام الدولار ''يعاني عيوبا''؛ والبنك المركزي الروسي يقلص مقتنياته بالدولار. وكرر بنك الشعب الصيني، البنك المركزي في الصين، دعوته لتحديد عملة احتياط عالمية جديدة في حزيران (يونيو)، ويأخذ الآن أول خطواته نحو تحويل اليوان إلى عملة عالمية.
ولبكين تأثير خاص في هذا النقاش. فالدولار يشكل 65 في المائة من احتياطات العملات الأجنبية في العالم، أي بنسبة أقل قليلا فقط عنها قبل عقد وتزيد كثيرا على حصة اليورو البالغة 26 في المائة. وثلاثة أرباع جميع الاحتياطات في أيدي الاقتصادات الناشئة؛ وتمتلك الصين وحدها ثلث المدخرات العالمية.
وبالتالي لدى الصين سبب خاص بها يدعوها إلى القلق من أن يؤدي قيام أمريكا بطباعة المال بكميات كبيرة ردا على الأزمة المالية إلى إضعاف قيمة احتياطاتها بالدولار. وهناك غضب داخلي كبير من الخسائر المحتملة التي قد تواجهها الصين نتيجة لإقراضها للأمريكيين الأثرياء. وتريد الحكومة التنويع خارج نطاق الدولار: انخفضت صفقات شرائها الجديدة لسندات الخزانة بصورة حادة هذا العام. إلا أن أي محاولة للتخلي عن مخزونها من الدولارات قد يؤدي إلى انخفاض قيمة العملة. وبدلا من ذلك، يفكر المسؤولون بطريقتين للخروج من ''فخ الدولار'': إقناع العالم بتبني عملة عالمية جديدة وتشجيع الاستخدام الدولي لليوان.
وفي مقالة له في آذار (مارس)، قال محافظ بنك الشعب الصيني، Zhou Xiaochuan، إن استناد النظام المالي العالمي على عملة وطنية واحدة سيزيد من الاختلالات العالمية. ومكانة الدولار باعتباره عملة احتياط تسمح لأمريكا بالاقتراض بسعر رخيص، مما يؤدي إلى دوام فقاعتي الائتمان والإسكان في الدولة لفترة أطول لولا ذلك. واقترح Zhou أن يستبدل العالم الدولار بعملة احتياط عالمية، هي حقوق السحب الخاصة. وقد تم إيجاد حقوق السحب الخاصة من قبل صندوق النقد الدولي عام 1969، وتستند الآن إلى المتوسط المرجح للدولار واليورو والين والجنيه الاسترليني، وتم تصميمها لتكون عملة احتياط ولكن لم يتم تبنيها قط. وتصل حقوق السحب الخاصة اليوم إلى اقل من 1 في المائة من مجموع الاحتياطات.
وبموجب خطة Zhou، سيتم زيادة كمية حقوق السحب الخاصة بصورة هائلة وتوسيع نطاق السلة لتشمل عملات أخرى، خاصة اليوان. واقترح Zhou أيضا إنشاء صندوق مقوم بحقوق السحب الخاصة يديره صندوق النقد الدولي، ويتم فيه استبدال احتياطات الدولار بحقوق السحب الخاصة. ويمكن للدول حينها الحد من تعرضها للدولار دون تخفيض قيمة الدولار (مع أنه من غير الواضح من هي الجهة التي ستتحمل أية خسائر في أسعار الصرف).
وأيدت البرازيل والهند وروسيا اقتراح Zhou. ولكن من غير المرجح أن تصبح حقوق السحب الخاصة عملة احتياط في أي وقت قريب. وسيستغرق الأمر سنوات عدة لتطوير أسواق المال لحقوق السحب الخاصة بحيث تملك سيولة كافية لتكون أصل احتياط. وعلى الرغم من أن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي وافق على أول إصدار للسندات المقومة بحقوق السحب الخاصة في الأول من تموز (يوليو)، في إطار محاولة الصندوق زيادة موارده، إلا أنه لا يمكن شراء وتداول السندات إلا من قبل البنوك المركزية، وليس المستثمرين من القطاع الخاص.
والخطة البديلة للصين هي تعزيز استخدام اليوان في التجارة والتمويل الدوليين. واعتبارا من السادس من تموز (يوليو)، سمح لخمس مدن صينية الآن باستخدام اليوان لتسوية المعاملات مع شركات في هونج كونج وماكاو ودول ASEAN. وستتمكن البنوك الأجنبية من شراء أو اقتراض اليوان من مقرضين في البر الرئيسي للصين لتمويل هذه التجارة. وفي حزيران (يونيو)، اتفقت روسيا والصين على توسيع نطاق استخدام عملتيهما في التجارة الثنائية؛ وتناقش البرازيل والصين فكرة مماثلة.
ووقع بنك الشعب الصيني أيضا على اتفاقيات لتبادل العملة مع الأرجنتين وبيلاروس وهونج كونج وإندونيسيا وماليزيا وكوريا الجنوبية. وسيجعل البنك المركزي اليوان متاحا لدفع قيمة مستوردات من الصين إذا لم تكن تلك الدول تملك الكثير من النقد الأجنبي. وفي خطوة أخرى تم اتخاذها أخيرا، سمح لبنوك هونج كونج الآن بإصدار سندات مقومة باليوان، وهي خطوة نحو بناء سوق خارجية لليوان.
ويتوقع Qu Hongbin، وهو خبير اقتصادي في بنك HSBC، أنه بحلول عام 2012 قد يتم تسوية ما قيمته نحو ترليوني دولار من التجارة السنوية (أكثر من 40 في المائة من الإجمالي الصيني) باليوان، مما يجعله أحد أهم ثلاث عملات في التجارة العالمية. ويعتقد آخرون أن هذه الاحتمالية متفائلة جدا. فعلى الرغم من أن الشركات الصينية حريصة على إصدار فواتيرها باليوان، إلا أن الشركاء التجاريين سيكونون أكثر ترددا. وليس هناك سوق آجلة لليوان، مما يصعب التحوط من المخاطر، كما إنه غير مقبول من قبل معظم الدول الأخرى.
وسيتم استخدام اليوان على نطاق أوسع لأغراض التجارة خلال العقد المقبل، إلا أن فكرة أن يصبح اليوان عملة احتياط في المستقبل القريب سخيفة، كما يقول Arthur Krober من شركة Dragonomics للأبحاث في بكين. فالصين لا تفتقر فقط إلى سجل الإنجازات السياسية والاقتصادية اللازم لدعم عملة الاحتياط، بل إن عملتها ليست قابلة تماما للتحويل أيضا. ويجب على الصين إلغاء ضوابط رأس المال بحيث يتمكن الأجانب من الاستثمار في أصول اليوان ثم استعادة رأسمالهم ودخلهم بحرية، إلا أن الحكومة تخشى التحرك بسرعة كبيرة. وتتطلب عملة الاحتياط أيضا سوق سندات عميقة وسائلة لا تتدخل فيها الحكومة. ويقول Krober أن هذا يعني تراجعا كبيرا عن نموذج الصين الذي تقوده الدولة في مجال تخصيص الائتمان.
وحتى لو ألغت الصين فورا ضوابط رأس المال، من غير المرجح أن يتحدى اليوان الدولار باعتباره عملة احتياط لسنوات عديدة. فالدولار لم يحل محل الجنيه الاسترليني إلا بعد نصف قرن من تفوق الاقتصاد الأمريكي على الاقتصاد البريطاني. والناتج المحلي الإجمالي الأمريكي أكبر بثلاثة أضعاف تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي الصيني، كما أن إجمالي التجارة فيها لا يزال أكبر. ويبدو أيضا أن خطة حقوق السحب الخاصة والتدابير التي يتم اتخاذها لإضفاء الصفة الدولية على اليوان تفترض أن مشكلة الصين هي فقط في كون الكثير من احتياطاتها بالدولار. إلا أن المشكلة الحقيقية للصين هي أنها تدير فائضا كبيرا ومستمرا في الحساب الجاري؛ ومن أجل إبقاء اليوان مرتبطا بصورة وثيقة بالدولار يجب عليها الاستمرار بشراء مزيد من أصول الدولار. وإذا كانت الصين تريد فعلا الحد من تعرضها للدولار، عليها السماح لليوان بالارتفاع. وستتكبد خسارة على احتياطاتها القائمة ولكنها ستمنع خسائر مستقبلية. ولكن طالما ظلت الصين تتبنى سياستها الحالية فيما يتعلق بأسعار الصرف، فهي تساعد على الحفاظ على هيمنة الدولار.