باراك وديمتري و"من وراء الكواليس" فلاديمير

باراك وديمتري و"من وراء الكواليس" فلاديمير

عبرت لغة الجسد عن كل شيء. فحين وصل باراك أوباما إلى موسكو لحضور أول قمة له مع الرئيس الروسي في السادس من تموز (يوليو)، جلس على حافة كرسيه وعينيه مثبتتان على مضيفه، ديمتري ميدفيديف. وجلس ميدفيديف براحة على كرسيه، مظهرا مزيج من التحفظ والاهتمام اللبق بما سيقدمه أوباما.
ويعكس هذا المشهد الرد الروسي العام على أوباما. فقد قامت أمريكا بالخطوة الأولى وعرضت ''إعادة ضبط'' العلاقة. وعلى الرغم من تشكك موسكو في نوايا أوباما، إلا أنها لم ترد تفويت الفرصة. وقالت صحيفة Moskovsky Komsomolets: ''لماذا يتعين علينا القيام بخطوة نحو أوباما؟ السبب الرئيسي هو أن هذا في مصلحتنا. وبعد أن انتصرنا في الحرب على جورجيا، أكدنا على مكانتنا كقوة عظمى، ولكن انتهى بنا المطاف في العزلة. ويمكننا بالطبع أن نعيش على هذا الحال. ولكن لماذا لا نوقف العزلة دون التنازل عن إنجازاتنا السابقة؟''.
ولم تظهر موسكو، التي تم تشديد الأمن فيها، أي علامة على الهوس بأوباما مثل غيرها من العواصم. فلم يصطف سكان موسكو لإلقاء نظرة على أوباما. وكان الخبر الرئيسي لإحدى قنوات التلفزيون الوطنية في الأخبار المسائية هو جنازة مايكل جاكسون، وليس زيارة أوباما. وأظهر استطلاع للرأي أن 36 في المائة من الروس لا يبالون بأوباما؛ ويشعر 12 في المائة فقط بالتعاطف معه.
إلا أن أوباما ذهب إلى موسكو بداعي العمل، وليس للحصول على الحب. وتمكن من فعل بقدر ما كان متوقعا. فقد اتفق الجانبان مبدئيا على تخفيض ترساناتهما النووية بنسبة الربع تقريبا في غضون سبع سنوات. وبالنسبة إلى أوباما، كان هذا جزءا من رؤية بإقامة عالم خال من الأسلحة النووية. وبالنسبة إلى الروس، كانت تلك فرصة للحفاظ على ما يشبه التكافؤ النووي. وبالنظر إلى أن مخزون روسيا يصبح قديما بسرعة كبيرة، فلن تضطر إلى بذل جهود كبيرة للوصول إلى هذا الهدف. واتفق الروس والأمريكيون أيضا على تجديد التعاون العسكري والعمل على منع الانتشار النووي. وستطير عشرات الطائرات الأمريكية يوميا عبر الأجواء الروسية لنقل الجنود والمعدات إلى أفغانستان. وسيوفر هذا الوقت والمال، ولكنه سيجعل الحدود الجنوبية لروسيا أيضا أكثر أمنا. ويقول Michael McFaul، كبير مستشاري أوباما في الشؤون الروسية: ''إن هذه أمور حقيقية، وليست زغبا''.
إلا أن الاختبار الأكبر سيكون ذلك المتعلق بإيران وخطط الدفاع الصاروخي ودول الاتحاد السوفياتي السابقة. والتحسن الذي طرأ على العلاقات هش جدا بحيث إنه قد لا يصمد في وجه ضغوط احتمالية شن عمل عسكري في إيران. ولا تريد روسيا أن تمتلك إيران أسلحة نووية، ولكنها لا تريد أيضا أن تخسر نفوذها من أجل أمريكا. ويقول Ivan Safranchuk، مستشار في نزع السلاح والعلاقات الخارجية: ''لا تريد روسيا القتال مع أمريكا، ولكنها ليست مستعدة لتقديم تنازلات لأمريكا أيضا. وتتمثل السياسة العامة لموسكو في فك الارتباط''.
وقد كان خطاب أوباما في New Economic School في موسكو محاولة لإشراك المجتمع الروسي دون محاولة إلقاء محاضرات عليه. وقد أشاد بالشعب الروسي لأنه أنهى الحرب الباردة، وأصر على أن أمريكا تريد أن تكون روسيا ''قوية وسلمية ومزدهرة''. ولكنه أكد على أن ''السعي للحصول على السلطة لم يعد لعبة يكون فيها طرف منتصرا وطرف خاسرا'' وأنه يحق لجورجيا وأوكرانيا الحصول على سيادتهما. وروج لدور القانون وحرية التعبير ''لأنهما أمر أخلاقي ولكن لأنهما أيضا يحققان النجاح''. وأضاف بحدة أن ''الحكومات التي تخدم شعوبها تبقى وتزدهر، بعكس الحكومات التي لا تخدم إلا مصالحها''.
وقد أذيع خطاب أوباما على الهواء مباشرة في قناة كابل تلفزيونية واحدة فقط ذات نطاق محدود. أما القنوات الرئيسية فقد سلطت الضوء على تأييده ''لروسيا العظمى'' ونجحت في تحويل تعليقاته عن ''السيطرة على دول أخرى وتشويه سمعتها''، في إشارة إلى سلوك روسيا نحو جمهورياتها السابقة، إلى حالة من النقد الذاتي الأمريكي. وحتى الطلاب لم يهتموا بخطاب أوباما. وقال أحدهم: ''أتقبل ما قاله ولكني لن أقفز إلى أي استنتاجات''.
ويظهر رد الفعل هذا ثقافة التشاؤم والقومية التي ازدهرت في روسيا في السنوات الأخيرة. ولكنه أيضا نتيجة لخيبة الأمل الروسية من أمريكا. وقد أمضى فلاديمير بوتين، رئيس وزراء ميدفيديف، جزءا كبيرا من إفطاره مع أوباما الذي دام ساعتين وهو يتحدث عن شكاوى روسيا من السياسة الأمريكية. وألقى باللوم على جورج بوش لأنه سمح لميخائيل ساكاشفيلي، رئيس جورجيا، بتحويل الدعم الأمريكي إلى ضوء أخضر للحرب. ولكنه حوّل حديثه مع أوباما لمصلحته. فوفقا لـ Yury Ushakov، كبير مستشاري بوتين في السياسة الخارجية، فإن ''الرئيس أوباما وعد بالنظر في الأهمية الإقليمية لتلك الدول بالنسبة لنا''.
وبالغت القناة التلفزيونية الرئيسية في روسيا في أهمية هذا السطر، حيث قدمته باعتباره تنازلا من قبل أمريكا ونصرا حققته روسيا. واقتبست عن Vyacheslav Nikonov، المعلق الروسي الرئيسي الموالي للكرملين، قوله: ''أصبحت جميع العقوبات التي تم فرضها على روسيا بعد الحرب في آب (أغسطس) 2008 في طي النسيان. وهذا يظهر أن أمريكا تدرك ضرورة العمل معا مع الاتحاد الروسي. وقد فهمت أمريكا ما يحدث منذ آب (أغسطس) الماضي. واليوم لن يصافح أحد في واشنطن ساكاشفيلي''.
وقد فهم أوباما بوتين جيدا. وهو يقول: ''لقد وجدته صارما وذكيا وفطنا وغير عاطفي إطلاقا وبراغماتي للغاية. وفي المسائل التي اختلفنا بها، مثل جورجيا، لا أتوقع أن تتوافق آراؤنا في أي وقت قريب''. وبالمثل، قال أوباما إنه يثق بميدفيديف وأنه وجد أنه شخص ''واضح ومهني''.
وأخذ ميدفيديف على محمل الجد والإعلان عن اهتمامه ''بالتعامل معه مباشرة'' قد يدعم مكانة ميدفيديف. إلا أن إبراز الاختلاف بين بوتين وميدفيديف قد تكون له نتائج عكسية أيضا. فالاختلافات بين الاثنين غالبا ما تكون نظرية. وقد عيّن ميدفيديف المستشار الأيديولوجي الرئيسي لبوتين، Vladislav Surkov، في لجنة ثنائية لشؤون المجتمع المدني. وقد يستأنف بوتين رئاسته. ويبدو عرضه الأخير كأنه بداية لحملة انتخابية رئاسية.
وقد خلص McFaul إلى ''أننا لم نحل كل شيء خلال يومين. فهذا سيكون مستحيلا. ولكني أعتقد أننا قطعنا شوطا طويلا في تطوير العلاقة التي تساعدنا على تحقيق مصلحتنا القومية مع الحكومة ووضع فلسفة تتعلق بالسياسة الخارجية''.
وفي أحدث حيلة له، بعد لقائه بأوباما، ارتدى بوتين سترة رياضية سوداء وبنطالا بدلا من بذلته الرسمية وظهر في تجمع لسائقي الدراجات النارية ذوي السترات الجلدية في روسيا، وهو ''Night Wolves''. وبعد نقاش مطول مع شخص ضخم موسوم بالوشوم يدعى ''Surgeon'' وتفاخره بدراجته النارية على غرار جيمس بوند، لوح لهم بوتين أثناء مغادرتهم إلى Sebastopol، وهو ميناء في القرم في أوكرانيا، مسلحين بالعلم الروسي ذي الألوان الثلاثة.

الأكثر قراءة