اقتصاد إيران .. ما الحقيقة؟
من يستند إلى البيانات الرسمية الدولية عن وضع الاقتصاد الإيراني وحجم ناتجه المحلي الإجمالي سيعتقد أن الأمور في إيران تبدو على ما يرام، كيف لا وصندوق النقد الدولي يقول إن اقتصاد إيران نما بنسبة 4.7 في المائة في 2021، العام نفسه الذي نمت فيه اقتصادات أكثر تقدما وبمراحل كبيرة بنسبة 3.2 في المائة! كما أن الصندوق يتوقع للاقتصاد الإيراني نموا بنسبة 2 في المائة لكل من 2023 و2024، وذلك يعادل نحو ضعف نسبتي النمو للعامين المقبلين للاقتصاد الأمريكي.
الأدهى من ذلك أن مصادر البيانات الرسمية العالمية، كالبنك الدولي والأمم المتحدة وصندوق النقد الدولي ومراكز البيانات الكبرى، جميعها تشير إلى أن حجم الاقتصاد الإيراني، ممثلا في الناتج المحلي الإجمالي، يبلغ نحو 360 مليار دولار في 2021، وهذا يبدو كبيرا ومستغربا في ظل الأوضاع المتردية والمعروفة للاقتصاد الإيراني، فأين الخلل؟ الخلل هنا ليس بالضرورة في صحة تلك البيانات أو التقديرات التي قام بها صندوق النقد الدولي وغيره، بل إن الخلل يكمن في فهم طبيعة البيانات وتفسيرها بشكل صحيح والقيام بذلك على أسس اقتصادية سليمة.
من حيث النمو الاقتصادي، فليس بالأمر المستغرب أن ينمو الاقتصاد مقارنة بفترة سابقة، بالذات عندما يكون هناك تراجع كبير في الفترة السابقة، وثانيا عند احتساب الناتج المحلي بالأسعار الجارية فسيظهر هناك ارتفاع كبير في حجم الناتج بسبب التضخم، وليس بسبب تحسن الاقتصاد وقوة إنتاجه. بالطبع إن الجهات المصدرة للبيانات الرسمية على علم بتأثير التضخم في مصداقية البيانات، لذا يتم رصد الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، أي باستبعاد تأثير التضخم من البيانات، فهل إذن بيانات حجم الاقتصاد الإيراني عند مستوى 360 مليار دولار صحيحة؟
الحقيقة أن هذه الأرقام ليست صحيحة، بل بعيدة جدا عن الحقيقة، والسبب أن تلك البيانات الدولية الرسمية تعتمد أولا على البيانات الرسمية الإيرانية - وفي ذلك مدعاة للشك بصحتها - ولكن الأهم من ذلك، وعلى فرض صحة البيانات الإيرانية، فإن الجهات الرسمية الدولية تعتمد على سعر الصرف الرسمي للريال الإيراني مقابل الدولار، وليس على سعر الصرف الفعلي الحقيقي.
لذا عندما يذكر أن حجم الاقتصاد الإيراني 360 مليار دولار في 2021، فإن ذلك بسبب الاعتماد على سعر الصرف الرسمي عند 42,300 ريال للدولار، ولكن كما نعلم فإن سعر الصرف الفعلي بلغ هذه الأيام 600 ألف ريال للدولار، ما يعني أن حجم الاقتصاد الإيراني الفعلي نحو 25 مليار دولار فقط.
سبب تدهور سعر الصرف في إيران، وما يطول ذلك من تأثير اقتصادي داخلي وخارجي، له مسببات عديدة ومعروفة، من عقوبات دولية قديمة إلى عقوبات أوروبية جديدة محتملة، إلى ظهور بوادر تشير إلى احتمال مزيد من التباعد الصيني عن إيران، وما يعنيه ذلك من تراجع لإيرادات البترول الإيراني الموجه إلى الصين.
التحديات التي تواجه الاقتصاد الإيراني تتفاقم بسبب القلاقل الداخلية والمظاهرات وانعدام الثقة بالاقتصاد الإيراني والعملة الإيرانية، ما يجعل كثيرا من المواطنين يبيعون الريال ويشترون العملات القوية أو الذهب وغير ذلك من الأصول، ما يؤدي إلى الضغط على العملة وإضعاف موقف البنك المركزي في قدرته على الدفاع عن الريال الإيراني.
البيانات الدولية الرسمية بشأن الاقتصاد الإيراني ليست بالضرورة كاذبة أو مضللة، على الرغم من انعدام المصداقية في صحة البيانات الرسمية الإيرانية، إلا أن الأخطاء التي قد يقع فيها المتابع تتعلق بقراءة نسب النمو وما تعنيه في حقيقة الأمر، وكذلك في الاعتماد على سعر الصرف الرسمي في تحويل البيانات إلى الدولار الأمريكي، وبالذات عندما يكون البون شاسعا بين سعر الصرف الرسمي وسعر الصرف الحقيقي.
فيما يخص النمو المتوقع من قبل صندوق النقد الدولي للاقتصاد الإيراني فالإشكالية هنا أولا أن طريقة عمل الصندوق تعتمد على البيانات التي يتم تزويده بها من قبل الدول التي تقوم بتغطيتها، وثانيا هناك تجاهل واضح لدور التضخم في إيران وتأثيره في النمو الاقتصادي.
من غير المتوقع ولا الممكن أن يكون هناك نمو اقتصادي صحي، إن تم قياس ذلك بالناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، في ظل وجود تضخم يبلغ حاليا في إيران 50 في المائة، كون ذلك يؤدي في الأغلب إلى خفض الإنتاج وخفض الإنفاق وبالتالي إلى تراجع النمو الاقتصادي.