كلام صارم وسياسة متساهلة

كلام صارم وسياسة متساهلة

توقف الاقتصاد العالمي عن التدهور وتوقف المصرفيون المركزيون لالتقاط أنفاسهم. وفي الوقت الذي تم فيه إرسال الإيكونوميست للطباعة في الثاني من تموز (يوليو)، كان من المتوقع ألا يغير البنك المركزي الأوروبي سعر الفائدة على "القروض العقارية المعاد تمويلها"، بحيث تظل عند 1 في المائة. ومجلس تحديد الأسعار في البنك المركزي الأوروبي حريص على عدم تخفيض الأسعار قريبا من الصفر كما فعل صنّاع السياسة في أماكن أخرى. وتعرض للانتقاد بسبب امتناعه عن فعل ذلك، وبعض هذه الانتقادات فقط عادلة.

والتركيز على أسعار البنك قد يضع البنك المركزي الأوروبي في صورة سيئة، ولكن لم يعد هناك دليل موثوق للموقف العام من السياسة النقدية. فإذا نظرت إلى أسعار السوق، تجد أن موقف السياسة في منطقة اليورو متساهل بقدر أي مكان آخر، بسبب قرارات الحوافز التي تم اتخاذها في ذروة الأزمة المالية. وفي تشرين الأول (أكتوبر)، قرر البنك المركزي الأوروبي أن يقدم للبنوك المال بقدر ما تريد، بسعر فائدة ثابت (سعر الفائدة على القروض العقارية المعاد تمويلها) ومقابل نطاق أمني أوسع من المعتاد، لمدة تصل إلى ستة أشهر. وحدد أيضا عمليات إضافية لإعادة التمويل لمدة ثلاثة أشهر وستة أشهر، بحيث تأتي البنوك بشكل أكثر للحصول على أموال البنك المركزي.
وفي أيار (مايو)، وافق مجلس البنك المركزي الأوروبي على تمديد العرض النقدي بأسعار ثابتة لمدة تصل إلى عام واحد. وفي عملية إعادة التمويل الأولى لمدة اثني عشر شهرا في الـ 24 من حزيران (يونيو)، اقترضت البنوك في منطقة اليورو 442 مليار يورو (620 مليار دولار). وبوجود كل هذا المال الذي يتم توزيعه، ظلت الرسوم التي تتقاضاها البنوك للقروض لليلة واحدة أقل من سعر القروض العقارية المعاد تمويلها، مع بعض الارتفاعات في بعض الأحيان. ومنذ توزيع هذا المبلغ، أي 442 مليار يورو، انخفضت أسعار الفائدة لليلة واحدة في منطقة اليورو إلى مستوى قياسي منخفض بلغ 0.3 في المائة، أي أقل منها في بريطانيا وأعلى قليلا منها في أمريكا. وفي الواقع، يمكن للبنوك الآن الاقتراض بسعر أرخص باليورو من سعر الجنيه الاسترليني لمدة تراوح بين ثلاثة أشهر أو ستة أشهر أو 12 شهراً.
وقبل الأزمة، كان البنك المركزي الأوروبي سيهدف إلى إبقاء أسعار الفائدة لليلة واحدة قريبة من سعر الفائدة على القروض العقارية المعاد تمويلها. ومنذ انتقاله إلى التمويل غير المحدود بسعر ثابت، سمح البنك المركزي الأوروبي لسعر الفائدة لليلة واحدة بالانخفاض كثيرا عن سعر البنك. وفي الواقع، يستهدف البنك الآن نطاقاً سعرياً للأسعار قصيرة الأجل: الحد الأعلى هو نسبة 1 في المائة لسعر القروض المعاد تمويلها والحد الأدنى هو السعر الذي يدفعه البنك المركزي على ودائع البنوك فيه، ويبلغ حاليا 0.25 في المائة. ويعتبر سعر الإيداع مؤشراً أفضل على موقف السياسة من سعر القروض المعاد تمويلها. ويفهم مراقبو البنك المركزي والأسواق هذا، مع أنه لم يتم توضيحه تماما من قبل جان كلود تريشيه، رئيس البنك المركزي الأوروبي.
لماذا هذا التكتم؟ أحد الأسباب هي خشية البنك المركزي الأوروبي من فقدان قدرته على السيطرة على التضخم إذا شدد على مكافحته للركود. وإبقاء سعر القروض المعاد تمويلها فوق الصفر قد يعتبر ضروريا بالقدر نفسه لمنع انجراف توقعات التضخم. وربما يتردد أيضا في الاعتراف بأن توفير السيولة بكثرة غير من موقف السياسة. ومنذ بدء الأزمة في آب (أغسطس) 2007، يصر البنك المركزي الأوروبي على أنهما منفصلان عن بعضهما البعض. ويقول Charles Wyplosz من معهد الدراسات العليا في جنيف: "إن البنك جريء في تقديم السيولة لأنه لا يعتبرها في صلب السياسة النقدية". ولكن من الواضح أن شروطه لإعادة التمويل للبنوك أدت إلى شروط نقدية أكثر تساهلا.
وهناك سبب آخر لهذا التكتم، وهو إخفاء الخلافات بين واضعي الأسعار. فالمتشددون في السياسة النقدية يطمئنون أنفسهم بأن سعر البنك ليس منخفضا جدا. أما المتساهلون فهم سعداء بأن تكون أسعار الفائدة الفعلية قريبة من الصفر. ويمكن لتريشيه أن يزعم أن هناك "توافقاً في الآراء". فشروط الهدنة تسهّل عكس مسار السياسة حين يحين الوقت. وعن طريق تقييد توفيره للسيولة، سيتمكن البنك المركزي الأوروبي من توجيه أسعار الفائدة لليلة واحدة نحو 1 في المائة دون أن يضطر لتغيير سعر البنك.
ولأن البنك المركزي الأوروبي يراقب طريق الخروج منذ بداية الأزمة، فقد اكتسب الاستحسان من أولئك الذين يعتقدون أن مجلس الاحتياط الفيدرالي لم يكن حذرا. وهذا الحكم لطيف جدا على البنك المركزي الأوروبي، حيث إن بوسعه تحمل شكوكه بشأن المدى المتوسط لأن البنوك المركزية الأخرى أكثر حذرا في الوقت الحالي. كما أن هذا غير عادل بالنسبة لمجلس الاحتياط الفيدرالي، الذي اضطر إلى وضع نفسه مكان نظام الظل المصرفي المنهار في أمريكا. وحين كان الاقتصاد معرضا للخطر بصورة كبيرة، كان يمكن للبنك المركزي الأوروبي خفض الأسعار بسرعة أكبر. ويقول Marco Annunziata من UnitCredit: "لو كان البنك المركزي الأوروبي أكثر فعالية، لكان الركود أقل سوء". والسعي المحموم للتوصل إلى توافق آراء أعاق اتخاذ إجراءات أكثر جرأة.

وثمة انتقاد آخر، وهو أن البنك المركزي الأوروبي لم يبذل جهوداً كافية لتخفيف شروط الائتمان عن طريق شراء سندات الحكومة والشركات فورا، كما فعل بنك إنجلترا ومجلس الاحتياط الفيدرالي. وتعتبر خطته لشراء ما يصل إلى 60 مليار يورو من أكثر السندات المصرفية أمنا، والتي تم إطلاقها هذا الأسبوع، متواضعة بالمقارنة. ويعتقد تريشيه أن هذا التركيز منطقي في هذه الحالة، حيث إن رجال الأعمال ومشتري المنازل في منطقة اليورو يعتمدون على البنوك أكثر من اعتمادهم على أسواق رأس المال للحصول على الائتمان. وفي أمريكا، تعتبر أسواق رأس المال أكثر أهمية، لذا كان على مجلس الاحتياط الفيدرالي التورط عن طريق شراء الأوراق التجارية والأوراق المالية المدعومة بالقروض العقارية.
ولا يرغب البنك المركزي الأوروبي أيضا في التورط في الديون العامة، مع أن البنوك المليئة بأموال البنك المركزي متحمسة لشراء مثل هذه الأصول منخفضة المخاطر. ويحافظ البنك المركزي على استقلاله عن الحكومة وليس عليه أن يقلق بشأن إعادة بيع السندات في السوق عند تحول دورة أسعار الفائدة. ويقول Thomas Mayer من بنك Deutsche: "إذا أردت أن تبقى نظيفا، تكون استراتيجية الخروج أسهل".
إلا أن تقديم سيولة وافرة إلى البنوك لا يوصلك إلا إلى هذا الحد. وعن طريق شراء الأصول، يسمح مجلس الاحتياط الفيدرالي للبنوك الأمريكية بالتخلص منها، مما يسمح بالتالي بتحرير رأس المال النادر لتقديم قروض جديدة. ومع تزايد الخسائر في منطقة اليورو، قد يصبح رأس المال أكثر أهمية من السيولة في تحديد النمو الائتماني. وقد تباطأ الإقراض إلى القطاع الخاص إلى 1.8 في المائة خلال العام حتى أيار (مايو)، وهو أدنى مستوى على الإطلاق. وما لم يبدأ الائتمان بالانتعاش، لا يمكن للبنك المركزي الأوروبي التفكير في تشديد السياسة. وربما يضطر إلى أن يكون أكثر جرأة.

الأكثر قراءة