انتصار أجوف
تم إغلاق القضية. فالنصر الساحق الذي حققه محمود أحمدي نجاد في الانتخابات الرئاسية في الـ 12 من حزيران (يونيو) كان حقيقيا، كما تقول الحكومة الإيرانية، وعلى أي شخص لا يعجبه ذلك تحمّل الأمر أو المخاطرة بالذهاب إلى السجن. وأكدت الدولة سلطتها من جديد بعد أسابيع من الاضطرابات. وقلل التواجد الكبير للشرطة فعالية المظاهرات العامة، في حين أحبطت حملة الاعتقالات والترهيب والرقابة على الاتصالات الأكثر استهدافا محاولات تنظيم المعارضة والاستمرار بها. إلا أن المتشددين في إيران سيبذلون جهودا جبارة لإعادة إرساء الشرعية، حيث لا يزال يتم التعبير عن ادعاءات التلاعب، حتى في المؤسسة الدينية التي تدعم الجمهورية الإسلامية.
وقد تم تكليف مجلس صيانة الدستور، الهيئة المعينة التي يسيطر عليها رجال دين متحالفون مع المرشد الأعلى في إيران، آية الله علي خامنئي، بالتحقيق في ادعاءات التزوير الانتخابي. وبالنظر إلى سجلها الحافل بمنع المرشحين الإصلاحيين، وإلى أن رئيسها كان يؤيد علنا أحمدي نجاد المحافظ قبل الانتخابات، كانت النتيجة حتمية: أعلن المجلس في الـ 29 حزيران (يونيو) أن أبحاثه، بما في ذلك إعادة عد الأصوات جزئيا، لم تظهر أي دلالة على حدوث مخالفات، مغلقة بذلك آخر قناة قانونية لمعارضة النتيجة. وأشارت وسائل الأخبار الموالية للنظام أن إعادة العد منح أحمدي نجاد بعض الأصوات الإضافية. وأعلن الرئيس عن تحقيق انتصار شخصي وعن هزيمة مؤامرة من الأعداء للإطاحة بالنظام.
إلا أن المرشحين المنافسين الثلاثة ظلوا على تحديهم، مصرين على أن نصر أحمدي نجّاد المزعوم بحصوله على 63 في المائة من الأصوات لا يمكن تحقيقه إلا عن طريق الغش. وأصروا على إلغاء الانتخابات أو إخضاعها لتحقيق شامل غير متحيز.
وقال مير حسين موسوي، المرشح المنافس الرئيسي لأحمدي نجاد، ومهدي كروبي، المرشح الإصلاحي الآخر، إن الحكومة غير شرعية. وتساءل موسوي: "كيف يمكن للشعب أن يثق في النظام الذي سجن أصدقاءه وزملاءه وأطفاله؟" ودعت المواقع الإلكترونية المؤيدة له إلى استمرار المظاهرات السلمية، بما في ذلك الإضراب العام المحتمل. وحتى الزميل المقرب للمرشح المحافظ الوحيد، محسن رضائي، الذي التزم بالصمت في الآونة الأخيرة احتراما للمرشد الأعلى، واصل تأكيده على أنه تعرض للخداع.
إلا أن عروض التحدي هذه تتناقض مع الشعور المتنامي باليأس بين معارضي أحمدي نجاد. فقد لمّح بيان صادر عن مجموعة مؤثرة من رجال الدين الإصلاحيين إلى تغيير رأيها. ففي الوقت الذي تحتفظ فيه بحق الاحتجاج، قال البيان إن الإيرانيين دفعوا بالفعل ثمنا باهظا للتعبير عن رأيهم وحذّر من أن تصعيد التوترات ومظاهرات الشوارع "ليس الحل". ولجأ الحلفاء الإصلاحيين الأقوياء، بمن فيهم في الرئيسان السابقان محمد خاتمي وهاشمي رفسنجاني، إلى التأكيد على ولائهم للجمهورية الإسلامية وفي الوقت نفسه العمل من وراء الكواليس للتفاوض من أجل التوصل إلى تسوية.
وكانت حصيلة الاضطرابات التي دامت أسابيع بعد الانتخابات، التي جلبت في ذروتها مليوني متظاهر في شوارع طهران، نحو 20 قتيلا ومئات المصابين وأضرارا مادية كبيرة. وارتكب معظم هذه الأعمال عملاء للحكومة، وفقا للقطات الكثيرة التي تم تصويرها من قبل هواة تصوير الفيديو وتم نشرها على الإنترنت.
وكانت تلك أكبر حملة لاعتقال مشتبه بهم معارضين للنظام منذ الثمانينيات، إذ تم سجن مئات المواطنين العاديين إلى جانب صحافيين بارزين ودعاة حقوق الإنسان والعشرات من قادة الأحزاب الإصلاحية، الذين كان عديد منهم مسؤولين كبار في الإدارات السابقة. وفي حملة تبدو أنها بداية لعملية تطهير واسعة النطاق، تم استبدال المتعاطفين مع الإصلاحيين في وزارة النفط الإيرانية بمتشددين. وتم اعتقال حتى أشخاص ليس لهم مشاركة واضحة في العمل السياسي، مثل Bijan Khajehpour، وهو مستشار أعمال معروف.
والمخيف هو أن وسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة لجأت إلى بث اعترافات مزعومة لبعض هؤلاء السجناء. وتزعم وزارة الداخلية أيضا أنها كشفت مؤامرة يتظاهر فيها مخربون مسلحون يزعم أنهم أعضاء في الباسيج، وهي قوة تتكون من المتعصبين تم اتهامها على نطاق واسع بممارسة أعمال عنيفة ضد المتظاهرين.
ويحاول المتشددون تصوير الاضطرابات بوصفها نتيجة مؤامرة خارجية، خاصة من قبل بريطانيا، الدولة الاستعمارية التدخلية. وقد اشتبكت بريطانيا وإيران في عمليات انتقامية لطرد الدبلوماسيين. وتم اعتقال الموظفين المحليين في السفارة البريطانية في طهران (والإفراج عن معظمهم لاحقا). ويزعم وزير الداخلية الإيراني أن لديه لقطات فيديو يظهرون فيها وهم يشاركون في مظاهرات مناهضة للحكومة. ويدعي بعض الموالين المؤيدين للنظام أن مشهد الفيديو الذي يصور مقتل ندى أغا سلطان، التي تم تصويرها على الفيديو من قبل مشاهدين من المارة خلال المظاهرة، قدمه عملاء يعملون لحساب هيئة الإذاعة البريطانية، BBC، التي أثار تلفزيونها باللغة الفارسية غضب النظام.
ويقول رجال الدين المتشددون إنه سيتم في المستقبل اعتبار المظاهرات جريمة لصوصية وقطع طريق والتي عقوبتها حد الإعدام، إلا أن الجلبة التي أثارتها هذه التهديدات، والعنف الذي مورس خلال حملة الهجوم، عززا الانطباع بأن إيران تشهد حالة تشبه انقلابا من قبل المتشددين، وليس من قبل الإصلاحيين المتهمين بمحاولة تنظيم انقلاب. وبما أن معظم أفراد الطبقة الوسطى في إيران تنفر الآن من قيادتها، وبما أن هيبة الجمهورية الإسلامية تداعت أمام العالم بأكمله، لا يعتبر هذا نصرا يمكن لأحمدي نجّاد الاستمتاع به.