رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


رسالة من السويد (1) ما يجمع السعودية والسويد وما يفرقهما

قد يقول قائل ليس هناك شيء يجمع السعودية مع السويد. هذا القول صحيح من ناحية الجغرافية. وأكثر صحة إذا أخذنا البون الشاسع بين البلدين من ناحية الاقتصاد والتطور العلمي والتربوي والاجتماعي وأسلوب الحكم.
بيد أن السويد أقرب إلى السعودية من كل دول شمال أوروبا التي ذاع صيتها في العالم ليس فقط في تقدمها الصناعي الهائل بل في سياساتها الاقتصادية والاجتماعية التي خلقت مجتمعات متجانسة قلّ نظيرها في العالم.
ففي السويد تقطن أكبر جالية إسلامية في شمال أوروبا يبلغ تعدادها الآن نحو نصف مليون شخص من مجموع سكان السويد تسعة الملايين. وفي بلد همه الأول المساواة وحرية الفرد وخياراته ضمن نظام مؤسساتي منظم ومنسق، ليس بمقدور أي سلطة في السويد تجاهل الحقوق المترتبة على وجود نصف مليون سويدي يتخذون الإسلام دينا.
المسلمون السويديون حاضرون تقريبا في كل مناحي الحياة هنا في السويد. وهذا ليس لأن المسلمين السويديين من العلم والمكانة والقوة والتأثير والانضباط لفرض دورهم ووجودهم في المجتمع بل لأن المجتمع السويدي يمنحهم كل هذه المميزات حتى وإن لم يرغبوا فيها أحيانا.
فمثلا تفرض المدارس على طلبتها تعلم اللغة الأم التي هي العربية عند الغالبية العظمى من المسلمين هنا، وهذا الحق مقدس في السويد، فلا تستغرب إذا تم تعيين معلم لغة عربية في مدرسة ليس فيها إلا طالب مسلم واحد.
وممارسة هذا الحق خلق في السويد فوجا من مدرسي اللغة العربية، والمسلمون لا يعيشون في منطقة أو مقاطعة واحدة بل منتشرون في كل أرجاء هذا البلد الشاسع مساحته أكثر بكثير من مساحة ألمانيا التي يقطنها أكثر من 80 مليون نسمة.
وفي كل الخدمات العامة التي تقدمها الدولة والشركات الخاصة هناك مرشدون متشبعون بالحضارة العربية الإسلامية، ففي جامعتنا مثلا، حيث توجد واحدة من أرقى كليات التمريض في العالم، هناك قسم خاص لتدريب الممرضات على كيفية التعامل والتجاوب مع الزائرين المرضى من المسلمين.
وقد شاركت في تدريس طلبة هذا القسم عدة مرات واندهشت لما لاحظته من رغبة فائقة لدى الطلبة لتعلم كل ما يساعدهم في تقديم خدمة طبية فائقة وبطريقة لا تخدش أو تمس التقاليد والممارسات والمعتقدات والسنن التي تربى وشاب عليها المسلمون.
وعليه لم يكن ولن يكون الحجاب يوما مسألة سياسية أو دينية في السويد. علمانية السويد تستند إلى احترام التقاليد ومن ضمنها اللباس طالما أنه لا يخدش الذوق العام المتعارف عليه في البلد ولا يعوق قيام المرء بواجباته بصورة تنطبق مع متطلبات العمل الذي يقوم به.
وأول مسلمة متحجبة درست في السويد كان في عام 2001 ضمن صف معظمه من الرجال، وكان ذلك في شركة بومباردي العملاقة حيث شاركت في إعداد وتدريس كورس مكثف لزيادة ملكة القراءة والكتابة في اللغة الإنجليزية لدى العاملين.
وكان ذلك بعد أحداث 11 سبتمبر (أيلول)، والمرأة المسلمة هذه كانت سعيدة جدا بعملها وفخورة بحجابها وكانت أكثر سعادة وفخرا ببلدها الثاني السويد الذي تخرجت فيه كمهندسة وفضلتها الشركة على عشرات المتقدمين السويديين لنفس الوظيفة التي كانت تشغلها استنادا إلى مؤهلاتها العلمية، ولم تأخذ في الحسبان على الإطلاق الحجاب الذي كانت ترتديه عند المقابلة.
ولهذا لم تكترث المؤسسات العامة والخاصة بالقرار الفرنسي بمنع ارتداء الحجاب في المدارس في عام 2004. لا بل إن ما حدث هنا في السويد كان العكس تماما حيث عرضت شركة إيكيا الجبارة نماذج جميلة جدا من الحجاب في محالها للبيع.
ربما لم أستطع حتى الآن إقناع القارئ بنقاط اللقاء بين السعودية والسويد وقد احتاج إلى ذكر أمور أخرى والاستشهاد بأحداث أخرى.. فإلى اللقاء في رسالة قادمة.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي