السوق النفطية تنظر إلى "أوبك" لتأمين الإمدادات

السوق النفطية تنظر إلى "أوبك" لتأمين الإمدادات

يتجه الاجتماع العادي لوزراء النفط في منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك) الذي سيبدأ الثلاثاء المقبل، إلى أن يصبح اجتماعا عاديا يتجاوز قضية الحصص المثيرة للخلافات عادة رغم الموقف الإيراني الرسمي الذي لا يزال يطرح موضوع خفض السقف الحالي تحت ذريعة الاستعداد لفترة الفصل الثاني، حيث يفترض أن يتراجع الطلب في العادة.
وللدقة، فإن هذا الموقف الإيراني أعلن منذ منتصف الشهر الماضي، ومنذ ذلك الوقت جرت مياه كثيرة تحت الجسر، وأصبحت لطهران حساباتها الخاصة بسبب المواجهة مع الدول الغربية بخصوص ملفها النووي، وسعيها لفتح جبهات أخرى أمام مناوئيها ومن بين هذه الجبهات الساحة النفطية.
لكن يلاحظ أن مناصري اتجاه خفض الإنتاج لدعم الأسعار وعلى رأسهم دول مثل الجزائر وفنزويلا، أوضحوا أنهم لا يفضلون خفضا للسقف الإنتاجي للمنظمة البالغ 28 مليون برميل يوميا، بل وصل الأمر بوزير النفط الجزائري شكيب خليل إلى القول إنه لا يتوقع قيام المؤتمر بخفض الإنتاج، ويعود ذلك إلى المعدل العالي للأسعار التي قاربت 70 دولارا للبرميل بالنسبة إلى خام ويست تكساس الأمريكي.
سلة "أوبك" المكونة من النفوط المتداولة للدول الأعضاء سجلت اتجاها تصاعديا، وحققت خلال الشهر الماضي زيادة 1.36 دولار إلى 52.65 دولار للبرميل. وخلال العام الماضي كله بلغ متوسط سعر السلة 50.64 دولار للبرميل، رغم أن حجم الإنتاج كان أعلى من السقف بقرابة مليوني برميل.
قضية الملف النووي الإيراني وما يمكن أن تنتهي إليه ستجعل الأسعار مشدودة إلى أن تنتهي عملية المواجهة هذه بصورة ما، سواء بترتيب أمر واقع كما تأمل إيران، أو بالانصياع إلى الرغبة الدولية، كما تأمل الدول الغربية، ولو أن عملية الإحالة إلى مجلس الأمن تكتنفها عقبات تتمثل في ضرورة الحصول على موافقة كل من روسيا والصين لعضويتهما في مجلس الأمن وتمتعهما بحق النقض وفوق ذلك علاقتهما التجارية والاستثمارية مع إيران، وهذا ما ينقل وضع الأسعار إلى الجانب السياسي والاستراتيجي المرتبط بسلعة النفط ويخفف من جانب السوق المرتبطة بالعرض والطلب. ويزيد في هذا التوجه المتاعب التي تتعرض لها شركة رويال دتش، شل في نيجيريا بسبب الهجمات على بعض مرافقها النفطية وعمليات قتل أربعة من العاملين ووقف ضخ 220 ألف برميل يوميا.
هذه الوضعية دفعت بوزير النفط السعودي المهندس علي النعيمي إلى الإشارة إلى أن المخزونات الموجودة في الوقت الراهن ومعدل الإمدادات تبدو كافية لمقابلة احتياجات المستهلكين، ومؤكدا في الوقت ذاته على استعداد السعودية على ضخ 11 مليون برميل يوميا فيما إذا تطلب الأمر وذلك من قرابة 9.5 مليون برميل تنتجها يوميا في الوقت الحالي.
على أن ذلك لا ينفي حقيقة أن المنظمة ستكون مواجهة بتحديات وخيارات، حتى وإن لم تعد مطالبة بالبت فيها، وعلى رأس هذه أن هذا العام سيشهد زيادة ملحوظة في الطاقة الإنتاجية، وذلك بسبب ارتفاع الأسعار المستمر بصورة متصلة عبر فترة العامين الماضيين، والدعوات المتكررة من قبل المستهلكين للمنتجين أن يزيدوا من إنتاجهم ويرفعوا من حجم الطاقة الإنتاجية الفائضة لديهم لدعم أمن الإمدادات وطمأنة المستهلكين. فالسوق عاشت، ولا تزال إلى حد كبير، أسيرة كابوس أن هناك نحو مليون ونصف المليون برميل فقط تتركز بصورة أساسية في السعودية، هي كل المتاح من طاقة إنتاجية فائضة.
المنظمة قامت وبصورة غير مسبوقة بنشر تفصيلات عن المشاريع القائمة لزيادة الطاقة الإنتاجية في الدول الأعضاء. ويتضح من القائمة أن هناك نحو 100 مشروع ما بين توسعة إلى مشاريع جديدة تكلف نحو 100 مليار دولار سيتم تنفيذها خلال فترة السنوات الخمس المقبلة وحتى نهاية العقد الأول من هذا القرن، أي بحلول العام 2010. وقتها يمكن إضافة قرابة خمسة ملايين برميل يوميا إلى حجم الطاقة المتاح لـ "أوبك" الذي بلغ بنهاية العام الماضي 33 مليونا، وإذا أضيف مشاريع التوسعة الخاصة بالغاز الطبيعي والسوائل الأخرى، فإن مليوني برميل أخرى يمكن إضافتها إلى الطاقة الإنتاجية المتاحة لدى الدول الأعضاء.
نصف المشاريع التي يجري الحديث عنها تتركز في السعودية ونيجيريا. ومن تلك المشاريع التي يتوقع اكتمالها قريبا مشروع حرض في السعودية الذي سيضيف 300 ألف برميل يوميا خلال هذا الربع. وخلال العام أيضا ستضيف نيجيريا 290 ألف برميل يوميا عبر مشروعين للتنقيب عن النفط في المياه العميقة تديرهما كل من "إكسون، موبيل" و"رويال دتش، شل"، هذا إلى جانب ما ستضيفه إيران من خلال حقل داركوين بطاقة 110 آلاف برميل يوميا بالتعاون مع إيني الإيطالية وستات أويل النرويجية التي ستعمل في حقل بارس الجنوبي الذي سينتج 120 ألفا ثم الإمارات التي ستضيف 110 آلاف عبر تطوير لحقلين، وإجمالا يمكن القول إن قدرة "أوبك" الإنتاجية ستزيد مليون برميل هذا العام.
وهذا ما ينقل النقاش إلى جانب الطلب، وأحد العوامل الرئيسية فيه النمو الاقتصادي. التقرير الأخير لـ "أوبك" الصادر هذا الشهر يتوقع للاقتصاد العالمي أن يحقق نموا في حدود 4.3 في المائة بدلا من 4.2 في المائة كانت مقدرة سابقا، ولهذا يتوقع للطلب أن ينمو بنسبة 1.9 في المائة إلى 84.8 مليون برميل، وهو ما سيحقق نموا في كل المناطق ما عدا بعض أجزاء أوروبا التي ستظل على معدلات استهلاكها السابقة، ونصف النمو يعود إلى الاستهلاك القوي من قبل الولايات المتحدة والصين.
وبتفصيل أكبر يشير التقرير إلى أن الطلب في الربع الأول من هذا العام سيرتفع إلى 85.4 مليون برميل يوميا، وهبط بقرابة المليوني برميل إلى 83.5 مليون في الربع الثاني، ثم يرتفع إلى 84.2 مليون في الربع الثالث ثم إلى 86.1 مليون برميل في الربع الأخير من العام، مع ملاحظة أن "أوبك" خفضت من توقعاتها للنمو هذا الشهر مقارنة بالشهر الماضي بنحو 110 ألف برميل يوميا.
من جانبه، يرى المركز الدولي لدراسات الطاقة، أن الطلب على استهلاك النفط سيحقق هذا العام نموا في حدود 1.5 في المائة، أو 1.3 مليون برميل يوميا (انظر الجدول)، ويضيف أن موجة البرد التي ضربت النصف الشمالي من الكرة الأرضية في الشهر الماضي، والاضطرابات في نيجيريا والأزمة مع إيران واستمرار بعض المرافق الإنتاجية في خليج المكسيك مغلقة أعطت "أوبك" فرصة لعدم اتخاذ قرار بخفض كان يبدو ألا مفر منه استعدادا للربع الثاني من هذا العام حيث يتراجع الطلب.
ورغم أن المنتجين من خارج "أوبك" سيضيفون نحو المليون برميل يوميا في جانب الإمدادات، إلا أن بطء عودة الإنتاج الأمريكي إلى معدلاته الطبيعية، وتراجع الإنتاج في بحر الشمال وعمليات الصيانة في العديد من الدول ستجعل حجم الإمدادات من خارج المنظمة مستقرا، وبالتالي يصبح العبء أكبر على "أوبك" لمقابلة النمو في الطلب وأهم من ذلك للتعويض عن انقطاع في الإمدادات لأي سبب من الأسباب.

الأكثر قراءة