هل انتهى الحلم؟

هل انتهى الحلم؟
هل انتهى الحلم؟

يبدو أن الاهتياج الجماعي الذي أحدثه الإيرانيون ذوو العقلية الليبرالية بسبب الانتخابات الرئاسية المشبوهة أثر سلبا في دعامات الحماية في العشرين من حزيران (يونيو)، حين تم الرد بقوة السلاح على مظاهرة تم منعها. ولا يزال ملايين الإيرانيين يشعرون بالغضب بسبب ما يعدونه نصرا زائفا للرئيس محمود أحمدي نجّاد على منافسه الرئيسي، الإصلاحي مير حسين موسوي، في الانتخابات التي جرت في الـ 12 من حزيران (يونيو). ولكن يبدو أن هناك عددا أقل منهم الآن يريدون المخاطرة والتنفيس عن غضبهم في الشوارع. وعلى الرغم من هذا، قد لا يتطلب الأمر كثيرا لاستفزاز انفجار شعبي آخر. وقد تكون الشرارة الجديدة هي النزاع العلني غير المعتاد للحصول على الهيمنة على الجمهورية الإسلامية الذي اندلع داخل المؤسسة الدينية الحاكمة نفسها. وفي الواقع، قد تنتقل الأزمة من الشارع إلى الغرف الخلفية للمساجد.
وبهدف إيجاد حل من أي نوع، أصدر آية الله علي خامنئي، المرشد الأعلى في إيران والرجل الذي يتخذ القرار الأخير فيما يتعلق بجميع شؤون الدولة، إنذارا شديد اللهجة في خطبة ألقاها في الـ 19 من حزيران (يونيو). فقد تخلى في كلمته أمام جمهور تلفزيوني ضخم عن حياديته المعتادة في السياسة الانتخابية، ووقف إلى جانب أحمدي نجّاد وحذّر أنصار موسوي أن المزيد من مظاهرات الشوارع ستؤدي إلى ''العنف'' والدماء والفوضى. ولدهشة كثير من الإيرانيين، الذين لا يربطون بشكل عام القادة الإصلاحيين بالجرأة السياسية، رفض موسوي إلغاء مظاهرة كان من المقرر أن تنطلق في اليوم التالي، ولم يتراجع كذلك عن مطلبه بإلغاء النتائج وإجراء الانتخابات من جديد. إلا أن النتيجة كانت نزاعا غير متساو بين المتظاهرين الذين كانوا يرمون الحجارة وبين عشرات الآلاف من الحرس الثوري ورجال الميليشيا المتطوعين، المعروفين باسم الباسيج، المسلحين بالهراوات وخراطيم المياه والرشاشات.
ووفقا لوسائل الإعلام التي تسيطر عليها الدولة، لقي نحو 20 شخصا مصرعهم. وتقدّر تقارير أخرى العدد بأكثر من ذلك بكثير، وتقول إنه كان هناك عدة مئات من الجرحى. وقالت الحكومة إن 40 شخصا من الباسيج الشجعان قد أصيبوا. وكانت بعض المناطق السكنية في وسط طهران تشبه مناطق الحروب. وقد رفع المتظاهرون صورة شابة جميلة، هي ندى آغا سلطان، تم تصويرها وهي ميتة بعد أن أطلق عليها مهاجم مجهول النار في مظاهرة في طهران. ويسود الآن هدوء مشوب بالخطر في المدينة. وقد قل عدد المظاهرات في طهران ومدن أخرى، مثل أصفهان وكرمان وشيراز وتبريز، التي شهدت تظاهرات معارضة ضخمة بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات، ما مكن السلطات من التعامل مع الأشخاص الذين تعدونهم محرضين على الاضطرابات.
ووفقا للجنة حماية الصحافيين، وهي مجموعة ضغط في نيويورك، تم اعتقال أكثر من 40 صحافيا منذ الانتخابات، وسجن ما لا يقل عن 450 منظم حملات سياسية، ما أدى إلى الحد كثيرا من قدرة موسوي ومهدي كروبي، المرشح الإصلاحي الأقل أهمية من بين المرشحين الإصلاحيين للرئاسة، والذي يطالب أيضا بانتخابات جديدة، على التخطيط لخطوتهما المقبلة أو حتى الاتصال مع أنصارهما. وتم اعتقال العديد من كبار زملاء محمد خاتمي، الرئيس الإصلاحي السابق، مع ما لا يقل عن عشرة صحافيين على الأقل يرتبطون ارتباطا وثيقا بحملة موسوي، وذلك وفقا لموقع إلكتروني يتتبع الأحداث هناك. وخوفا من رد فعل عنيف، امتنعت السلطات حتى الآن من اعتقال موسوي أو كروبي. ولكنها تمهد لذلك، فقد هوجم موسوي بشدة من قبل وسائل الإعلام الموالية للحكومة وتم اتهامه بمساعدة جماعة معارضة محظورة، هي مجاهدي خلق الإيرانية، التي تنشط بصفة خاصة في أوروبا الغربية. وفي الـ 21 من حزيران (يونيو)، قال رئيس اللجنة القضائية في البرلمان إن تصريحات موسوي العلنية تشكل ''أعمالا إجرامية''. وتزعم شرطة طهران أنها وجدت أدلة تشير إلى تعاون بين ''عناصر أجنبية'' ومحرضين يعملون من مبنى كان يتم استخدامه لحملة موسوي. ولا يثق موسوي ولا كروبي بأن مجلس صيانة الدستور، لجنة المراقبة التي يشرف عليها خامنئي نفسه، على استعداد للتحقيق بنزاهة في ادعاءاتهما بأن أحمدي نجّاد حقق فوزا ساحقا عن طريق الاحتيال. ووفقا لوزارة الداخلية، فاز الرئيس الحالي بـ 25 مليون صوت من أصل 39 مليون صوت، مقارنة بـ 13 مليون صوت لموسوي و300.000 صوت لكروبي، رئيس البرلمان السابق. والشكوك معقولة: فالمجلس مكلف بشكل عام بإدارة الانتخابات، مما يعني أنه يفتح تحقيقا مع نفسه.
ويقول موسوي إنه تم التلاعب بالانتخابات عن طريق العديد من المخالفات الإجرائية والقيود التي تم فرضها على حق ممثليه القانوني بمراقبة صناديق الاقتراع. ولم يكن لهذه الادعاءات، التي دونها كتابة، تأثير يذكر. ففي الـ 21 من حزيران (يونيو)، أعلن متحدث باسم مجلس صيانة الدستور أنه في 50 بلدة تجاوز عدد أوراق الاقتراع عدد الناخبين المؤهلين. ولكنه أضاف أنه من الممكن أن الكثير من الناس صوتوا خارج بلداتهم.
وربما يكون المجلس يستعد لإعادة نظر متواضعة في النتائج، حيث قد يمنح موسوي بضعة أصوات إضافية، ربما في غضون أيام. ولكن كما أوضح خامنئي في خطبته، التي نفى فيها أن الجمهورية الإسلامية ''خانت أصوات الشعب''، فإن إلغاء النتيجة أمر غير وارد كما يبدو.
وبما أنه ليس مسموحا لموسوي وكروبي الاتصال مع مؤيديهما، فإن أماكن تواجدهما غير معروفة على وجه الدقة، إلا أنهما تمكنا على الأقل من إثارة انزعاج خصومهما عن طريق رفض الاستسلام. وقد وصف موسوي المدافعين عن أحمدي نجّاد بأنهم ''دعاة الإسلام المتحجر على غرار إسلام طالبان'' ورفض الفكرة التي عبر عنها للمرة الأولى المرشد الأعلى بأن هذا الاضطراب كان بتحريض من أعداء أجانب. وفي الـ 24 من حزيران (يونيو)، تحدى كروبي حظر الحكومة وأقام حدادا على أرواح الذين قتلوا في أعمال العنف قبل أربعة أيام. ولكن تم تفريق الحشد عن طريق استخدام العنف.

المعركة الحقيقية الجديدة أقل وضوحا
وبالتالي، ربما يكون أحمدي نجّاد والمؤسسة الدينية الحاكمة التي تقف إلى جانبه قد انتصرا في معركة الشوارع. ولكن قد يكون النزاع العنيف وراء الكواليس، الذي حجبته الأحداث العامة والذي تخفيه الشائعات الدائرة في طهران، حاسما بالقدر نفسه بالنسبة لمستقبل الدولة. وهذا النزاع يضع خامنئي في مواجهة رئيس سابق ذكي كان حتى وقت قريب يعتبر ثاني أقوى رجل في الجمهورية الإسلامية، وهو أكبر هاشمي رفسنجاني.
ويبدو ظاهريا أن هذا النزاع يسير لمصلحة المرشد الأعلى أيضا، كما يمكن أن يتوقع المرء، بما أن خامنئي والرئيس يملكان الدعامات الرئيسية للقوة المدنية والعسكرية. ويوحي صمت رفسنجاني الطويل منذ الانتخابات أنه أحبط جراء الهجمات الكلامية عليه وجراء اعتقال العديد من أفراد عائلته، بمن فيهم ابنته، النائبة البرلمانية السابقة، التي تم إطلاق سراحها. ولم يخف أحمدي نجّاد أنه يتوق لرؤية رفسنجاني وبعض أفراد عائلته معتقلين بتهمة الفساد.
ورفسنجاني مختف تماما، في الوقت الحالي على الأقل، بحيث إن المعلومات عن تحركاته ونواياه تستند بالكامل إلى الأقوال والإشاعات. ووفقا لإحدى الروايات، فإن رفسنجاني منشغل في بلدته، قم، في محاولة لمعرفة كبار رجال الدين الذين قد يدعمون التحرك لإقالة خامنئي. وتقول رواية أخرى إنه قد يستسلم عن طريق حضور صلاة الجمعة، في حين أنه غاب عنها حين ألقى خامنئي خطبته في التاسع عشر من حزيران (يونيو).
وسواء كانوا في السجن أم في المنزل، لا شك أن الإصلاحيين في إيران نادمين على أخطائهم. ففي النهاية، رفسنجاني هو الذي ساعد على جلب صديقه القديم، خامنئي، لشغل مقعد المرشد الأعلى الشاغر بعد موت أبو الثورة، آية الله روح الله الخميني قبل 20 عاما. ولتحقيق ذلك، حرص رفسنجاني على غياب آية الله حسين علي منتظري، الذي كان ولي عهد الخميني الواضح والذي يبعث الآن، وقد أصبح في الثمانينيات من عمره، رسائل لدعم قضية موسوي. وفي وقت لاحق، خلال رئاسة خاتمي (1997-2005)، انقلب الإيرانيون ذوو الفكر الإصلاحي على رفسنجاني بحيث إنه فشل في الفوز ولو بمقعد واحد في البرلمان في انتخابات عام 2000.

هل خسر الليبراليون؟
سيكون ثمن سوء التقدير هذا وتلك الانقسامات باهظا. فمنذ أن تم تأسيس الجمهورية الإسلامية بعد ثورة عام 1979، كان على الثوريين الأصوليين تحمّل مجموعة أخرى، أكثر تحررا من الناحية الثقافية وأكثر انفتاحا على العلاقات مع الغرب. ولكن يتم قمع هذه المجموعة الآن.
ولكن ما هو الثمن فيما يتعلق بصورة إيران المشوهة أصلا في الخارج؟ لقد تمكن المتظاهرون، بفضل هواتفهم المحمولة، من بث أبشع الصور إلى جميع أنحاء العالم. ويقول الرئيس الفرنسي، نيكولا ساركوزي، إن ''القمع والعنف'' أمر ''غير مقبول''. وعبرت المستشارة الألمانية، أنجيلا ميركل، عن دعمها ''لشعب إيران الذي يريد ممارسة حقه في حرية التعبير وحرية التجمع.'' وأعلن أوباما، الذي حاول في البداية أن ينأى بنفسه لكي لا يعرض سياسة الانفراج مع إيران للخطر، أنه يشعر ''بالصدمة والغضب... من التهديدات والضرب والسجن'' التي يتم إصدارها. وقال إن المتظاهرين هم ''الذين سيقف التاريخ إلى جانبهم''.
وقد أحبط هذا آمال الكثيرين في طهران الذين كانوا يأملون أن يساعد أوباما على فتح فصل جديد أكثر تفاؤلا فيما يتعلق بالعلاقات بين إيران والغرب. وعززت الانتقادات الغربية أولئك في طهران الذين تدعوهم غريزتهم إلى البحث عن كبش فداء أجنبي عند أول بادرة لحدوث الاضطرابات في الوطن. وبالطبع، تأتي بريطانيا على رأس القائمة التي تعدد مصادر القلق بالنسبة لإيران.
وحذا المسؤولون الإيرانيون حذو خامنئي، الذي وصف بريطانيا في خطبته بأنها ''بغيضة''، واتهموا الحكومة البريطانية بالتلاعب بالأحداث بصورة شريرة. ووصف منوشهر متقي، وزير خارجية إيران، بتفاصيل غريبة كيف أرسلت بريطانيا طائرات مليئة بالجواسيس (لم يشرح كيف مروا عبر الجوازات)؛ وأنه قام بعد ذلك بطرد مجموعة من الدبلوماسيين البريطانيين. ووصف المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية قناتين تلفزيونيتين فضائيتين أجنبيتين، هما BBC Persian وVoice of America، اللتان كانتا تبثان الصور والتعليقات للمشاهدين في إيران، بأنهما جزء من مؤامرة إسرائيلية لتفكيك الدولة.

خيار أمريكا
يجب على أوباما الآن أن يقرر فيما إذا كان سيسمح لكل هذا بالتأثير في محاولاته لإشراك إيران. وهو يهدف إلى إقناع الدولة بالتخلي عن خطتها النووية المثيرة للجدل - أو على الأقل تعديلها وجعلها مفتوحة للتدقيق. ومن الواضح أن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يستشعر وجود فرصة لمنع مبادرة دبلوماسية أمريكية تسبب له الانزعاج منذ البداية.
وربما يكون بعض الإيرانيين الذين دعموا سياسة الحوار التي انتهجها أوباما غيروا رأيهم الآن. فقد طلبت شيرين عبادي، الحائزة على جائزة نوبل للسلام وأشهر داعية لحقوق الإنسان في إيران، من الاتحاد الأوروبي تجميد الحوار السياسي مع إيران ''إلى أن ينتهي العنف ويتم إجراء انتخابات جديدة.'' إلا أن روسيا، التي كان أوباما يأمل أن يجذبها إلى تحالف الدول التي تشجع إيران على اكتساب الاحترام، متسامحة بشكل غريب مع سلوك إيران، حيث وصف متحدث باسم وزارة الخارجية الأزمة بأنها ''شأن داخلي''. أما الصين، فقد أيدت كما هو متوقع الانتخابات.
وما لم يغيّر خامنئي رأيه أو يتم استئناف المظاهرات على نطاق لا يمكن مقاومته، قد يضطر الإيرانيون ذوو الفكر الإصلاحي للاستسلام مرة أخرى للعيش دون الحريات الديمقراطية المحدودة، بما في ذلك حقهم في انتخاب الرئيس. والنخبة السياسية المحرومة من عنصرها الإصلاحي قد تعزز الطرق الاستبدادية والعسكرية التي يشهد الإيرانيون ولادتها: رجال ميليشيات الباسيج عند كل منعطف، ومحكمة خاصة يتم تأسيسها لمحاكمة ''مثيري الشغب'' المعتقلين، وكبار الشخصيات العسكرية التي تتحدث بسرية عن التهديدات الأجنبية. ولكن على المدى الطويل، يعتقد العديد من الليبراليين الإيرانيين أن تفاؤل أوباما سيكون مبررا. فقد سمحت الحملة الانتخابية والمظاهرات التي تلتها للإيرانيين بالتعبير عن أنفسهم بحرية لم يعرفوها منذ ثورة عام 1979. وقد استمتعوا بالتجربة - ويريدون المزيد. علاوة على ذلك، أسهم مشهد القتال الداخلي بين القادة الذين كانوا متحدين ظاهريا تحت التأثير الملزم لآية الله الخميني، في تقويض زعم الجمهورية الإسلامية بالشرعية، وبمطالبتها بالقدسية. وقال أحد المعلقين في طهران: ''لقد تم تحطيم هذا المعبود''.
وعلى أية حال، لا تزال حملة موسوي مستمرة. وإذا تم اعتقاله، يقول أنصاره إنهم سيدعون إلى إضراب عام. وفي الليل، يتجمع الناس من جميع أنحاء البلاد على أسطح منازلهم للصراخ ''الله أكبر!''، وهي دعوة تعود إلى ثورة عام 1979 اتخذها أنصار موسوي. وسيتذكر الكثير من الإيرانيين باعتزاز مسيرة ما بعد الانتخابات في الـ 15 من حزيران (يونيو) التي حضرها مليونا شخص. فقد كانت مسيرة منظمة وهادئة ومراقبة ذاتيا.
ويقول أحد الإيرانيين الذين حضروها: ''قبل ذلك، كنت قد فقدت إيماني بكوني إيراني. فقد أصبحنا أنانيين منغلقين على أنفسنا. إلا أن تلك المسيرة غيرت كل شيء كما يبدو. ولا يعقل أن تكون حلم - أليس كذلك؟'' >

الأكثر قراءة