سيكون هذا مؤلما
إن تشخيص مشكلات نظام الرعاية الصحية في أمريكا هو الجزء السهل، وعلى الرغم من أنه يتم إنفاق دولار واحد من كل ستة دولارات يتم جنيها من قبل أغنى اقتصاد في العالم (أمريكا) على الصحة - ما يقارب ضعف المتوسط في الدول الغنية - إلا أن معدل وفيات الرضع والعمر المتوقع ومعدلات النجاة من الأزمات القلبية أسوأ من متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ومن جهة أخرى، لا يحصل نحو 50 مليون أمريكي، وهو عدد كبير مخز في مثل هذه الدولة الغنية، على تأمين صحي، وذلك لأن التأمين الصحي مكلف جدا؛ أما أولئك المشمولون في تأمين الرعاية الصحية فيدفعون مبالغ طائلة لذلك، وغالبا ما يكتشفون أنها غير كافية إذا مرضوا مرضا خطيرا أو تعرضوا لإصابة بالغة.
وتضر تكاليف الرعاية الصحية بأمريكا بثلاث طرق أخرى، أولا، بما أن نصف السكان (معظم الأطفال والفقراء جدا والمسنين وعاملي القطاع العام) يحصلون على الرعاية الصحية من خلال الحكومة، فإن العبء على دافعي الضرائب أكبر مما يجب أن يكون، ويستنفذ ببطء ميزانيات الولايات والميزانية الفيدرالية. ثانيا، تشكل مخططات التأمين الخاصة مشكلة هائلة لأصحاب العمل، ساعدت تكلفة التأمين الصحي على إسقاط شركة جنرال موتورز، وتخلت الكثير من الشركات الأصغر عن تأمين الموظفين. وثالثا، تسهم الأقساط الباهظة في تخفيض أجور العمال.
وتواجه جميع الدول الغنية بعض هذه المشكلات، ولكن لا تعاني أي دولة كما تعاني أمريكا. وقد يحدد النقاش هذا الصيف المتعلق بالرعاية الصحية نجاح رئاسة باراك أوباما، فماذا يجب عليه أن يفعل؟
لا مبالاة مزعجة
إذا كانت ستبدأ من الصفر، فستكون هناك حجة قوية (حتى بالنسبة لصحيفة ليبرالية اقتصاديا مثل الإيكونوميست) لإنشاء نظام قائم بصورة أساسية على الرعاية الصحية الممولة من القطاع العام. إلا أن أمريكا لن تبدأ من الصفر، ولا تشجع أيا من الخطط الموجودة أمام الكونجرس على تنفيذ هذا الحل الأوروبي. فأمريكا تريد الإبقاء على النظام الممول أساسا من القطاع الخاص - ولكنها تريد نظاما يشمل أولئك غير الحاصلين على تأمين صحي ويخفض التكاليف. وسيكون هذا مؤلما، وسيتطلب جرأة أكبر من تلك التي أظهرها أوباما حتى الآن.
إن مشكلة أولئك غير المشمولين في الرعاية الصحية مشكلة واضحة ومباشرة نسبيا. فكل ما يجب القيام به هو ''تكليف'' الجميع بالحصول على التأمين الصحي، تماما مثلما يلزم القانون السائقين باستخراج تأمين للسيارة. وسيحصل الفقراء الأكثر فقرا على إعانات، وكما هو الحال في تأمين السيارات، ستضطر شركات توفير خدمات التأمين إلى تقديم خطط معقولة السعر وعدم استبعاد المرضى أو المسنين. وقد حدث هذا بالفعل في ماساتشوستس، وكذلك في مجموعة من الدول الأخرى، مثل هولندا وإسرائيل وسنغافورة. وتشمل المقترحات الرئيسية التي يدرسها الكونجرس الآن على صيغة ولاية من نوع ما. وقد عارض أوباما مثل هذه الولاية خلال حملته الانتخابية، ولكن بما أنه لم يتوصل إلى أي بديل معقول، فعليه أن يقبل بأي حل.
ولكن العائق هو أن كل تلك الإعانات مكلفة، وتلك الخطط الموجودة في الكونجرس قد تكلف 1.2 تريليون دولار إلى 1.6 تريليون دولار على مدى عشر سنوات، يحاول البيت الأبيض جاهدا تخفيض التوقعات، وكذلك العمل على سد الفجوة من خلال المدخرات المتنوعة وزيادة الضرائب، إلا أن صدمة ارتفاع تكلفة الولاية ما هي إلا انعكاس للمشكلة الكبيرة الثانية، هيكل التكلفة الإجمالية للرعاية الصحية الأمريكية. وفي الواقع، فإن أحد أسوأ الأمور المتعلقة بنهج أوباما المتمثل في عدم التدخل بإصلاح الرعاية الصحية هو أنه يركز على أحد الأعراض، وليس على المرض الأساسي.
وأي رئيس أكثر جرأة سيبدأ عن طريق مهاجمة اثنين من التشوهات الهائلة التي تجعل الرعاية الصحية الأمريكية أكثر تكلفة مما يجب. الأول هو أن رزم الرعاية الصحية التي يوفرها أصحاب العمل قابلة للخصم الضريبي من دافعي الضرائب، وهذا غير عادل بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون تأمينا صحيا، ومع ذلك يجب أن يقدموا المساعدات لها من خلال الضرائب. كما إنه يشجع مخططات التأمين الممتازة، بما أن تكلفتها الكاملة ليست شفافة. وهذا الاقتطاع الضريبي يكلف الحكومة ما لا يقل عن 250 مليار دولار سنويا. ولا يزال أوباما يتجنب التخلص منه، وهذا ما تفعله أيضا الكثير من الخطط المطروحة في الكونجرس؛ ولكن يجب التخلص منه (وإن على مراحل تدريجية ربما).
حافز ضار
والتشوه الكبير الثاني هو أن معظم الأطباء في أمريكا يعملون على أساس تقاضي الرسوم على كل خدمة؛ فكلما زاد عدد الحبوب التي يصفونها، أو الفحوص التي يطلبونها، أو العمليات التي يجرونها، زادت المبالغ التي يجنونها - مع أن هناك الكثير جدا من الأدلة السريرية التي تشير إلى أن زيادة الإنفاق لا تؤدي بصورة موثوقة إلى نتائج أفضل. والمزودون في القطاع الخاص في كل مكان معرضون لهذا الحافز الضار، ولكن في أمريكا، التي يتم فيها تقديم معظم الرعاية الصحية من قبل القطاع الخاص وليس من موظفي القطاع العام الذي يتلقون أجورا، المشكلة أسوأ منها في أي مكان آخر.
والمشكلة هي أن الكثير من الأمريكيين راضون بالحصول على كل ما يمكنهم الحصول عليه من الرعاية الصحية، والذي يسمح لهم برؤية أي طبيب يريدونه وإجراء أي فحوص يتم إقناعهم أنها ضرورية لهم. وإجبار الناس على الخطط الصحية ''المدارة''، التي يقرر فيها بعض البيروقراطيين العلاجات الفاعلة من حيث التكلفة، أمر مضر سياسيا، وقد كان المبدأ الأساسي لإصلاح هيلاري كلينتون الفاشل عام 1994.
ولكن إلى حد ما، يجب القيام به. فهناك أدلة قوية تشير إلى أنه يمكن تخفيض التكاليف الصحية بنسبة تراوح بين 10 في المائة إلى 30 في المائة، وهي نسبة كبيرة، عن طريق تقليل العمليات المكلفة غير الضرورية والوصفات غير اللازمة. وقد أثبتت مايو كلينيك في مينيسوتا ونظام Kaiser Permanente في كاليفورنيا أنه من الممكن توفير المال وإنتاج نتائج أفضل في الوقت نفسه. لذلك، يجب أن يهدف الإصلاح إلى تشجيع زيادة استخدام الرعاية الصحية المدارة، التي يوفرها الأطباء الذين يتقاضون الأجور، أو التي يتم دفع ثمنها بالنتائج بدلا من تقاضي الثمن على كل قسطرة يتم إدخالها. وقد يكون برنامج Medicare، نظام التأمين الذي تديره الحكومة للأشخاص الذين تجاوزا الـ 65 من العمر، بمثابة دليل على الطريق الصحيح عن طريق الاستفادة بصورة أكبر من المخططات القائمة على النتائج وتشجيع المزيد من المنافسة بين مقدمي الخدمات وشركات التأمين المختلفة.
ولكن في النهاية سيكون الاعتماد على نظام الرعاية الصحية الخاص. وأحد الأمور التي يجب الشروع فيها هي مكافحة الاحتكار: على المستوى المحلي، تعتبر الكثير من المستشفيات والأطباء بمثابة قنوات لتحديد الأسعار. وثمة خيار آخر يفضله الكثير من الديمقراطيين والرئيس، وهو أن تتدخل الحكومة بخطة قائمة على النتائج خاصة بها، للتنافس مع القطاع الخاص. وقد يضر هذا بالابتكار ويشوه السوق بصورة أكبر. ويجب أن يستخدم أوباما هذا باعتباره تهديد، بدلا من تنفيذه الآن. فإذا لم يتمكن القطاع الخاص من تحقيق أهداف معينة لخفض التكاليف خلال خمس سنوات مثلا، يجب أن يتم إدخال خطة من القطاع العام تلقائيا. ومثل هذه الاحتمالية ستشجع المستشفيات والأطباء على قبول الإصلاحات المؤلمة ولكن الضرورية الآن >