مطلوب مدمنون على التسوق

مطلوب مدمنون على التسوق

تنتعش الاقتصادات الناشئة في آسيا بقوة أكبر بكثير من أية اقتصادات أخرى. ففي الوقت الذي لا يزال فيه انخفاض الإنتاج الصناعي في أمريكا مستمرا في أيار (مايو)، عاد الناتج في آسيا الناشئة إلى مستوياته قبل الأزمة. ويعود هذا بدرجة كبيرة إلى الصين؛ ولكن على الرغم من أن الإنتاج في الاقتصادات الأصغر في المنطقة لا يزال منخفضا مقارنة بالعام السابق، إلا أنه بدأ الانتعاش في تلك الدول أيضا. فقد ارتفع الناتج الصناعي في تايوان على أساس سنوي بنسبة 80 في المائة خلال الأشهر الثلاثة حتى أيار (مايو) مقارنة بالأشهر الثلاثة الماضية. وتشير تقديرات JPMorgan إلى أن الناتج المحلي الإجمالي في آسيا الناشئة زاد بنسبة سنوية تبلغ 7 في المائة في الربع الثاني.
وتعكس قدرة آسيا على الانفصال عن أمريكا حقيقة أن التباطؤ في المنطقة ناجم جزئيا فقط عن انخفاض النشاط الاقتصادي في أمريكا. وفي معظم الاقتصادات الآسيوية، كان انخفاض الطلب المحلي أكثر أهمية من انخفاض صافي الصادرات في تفسير انهيار نمو الناتج المحلي الإجمالي. وأدى الارتفاع الكبير في أسعار الأغذية والطاقة في النصف الأول من عام 2008 إلى تقليص الأرباح والقدرة الشرائية. وأسهم تشديد السياسة النقدية الذي يهدف إلى الحد من التضخم إلى خنق الطلب المحلي بصورة أكبر. ويعكس الانتعاش الذي حدث أخيرا في الإنتاج الصناعي نهاية التصفية من قبل المصنعين وكذلك الحوافز المالية الضخمة التي قدمتها معظم الحكومات. إلا أن الدفعة الناتجة عن هذين العاملين ستتلاشى في النهاية. ومن جهة أخرى، من المرجح أن تظل أسواق التصدير في الاقتصادات المتقدمة ضعيفة. وبالتالي سيتعثر الانتعاش في الاقتصادات الآسيوية إلا إذا زاد الإنفاق المحلي، خاصة الاستهلاك. وتتفاوت رغبة المستهلكين في الإنفاق بصورة كبيرة عبر المنطقة. ففي الصين والهند وإندونيسيا، زاد الإنفاق بمعدلات سنوية تزيد على 5 في المائة خلال الانكماش العالمي. وزادت مبيعات التجزئة في الصين بنسبة 15 في المائة خلال العام الماضي. وتمثل هذه النسبة مبالغة في معدل النمو لأنها تشمل المشتريات الحكومية، إلا أن مسوحات الأسر الرسمية تشير إلى أن الإنفاق الحقيقي يزيد بنسبة 9 في المائة، وهي نسبة كبيرة. وخلال العام حتى أيار (مايو)، ارتفعت مبيعات الإلكترونيات المنزلية بنسبة 12 في المائة، ومبيعات الملابس بنسبة 22 في المائة، ومبيعات السيارات بنسبة مذهلة بلغت 47 في المائة.
وانخفض الإنفاق في دول أخرى في المنطقة، وذلك بسبب ارتفاع معدل البطالة وانخفاض الأجور. ففي هونج كونج وسنغافورة وكوريا الجنوبية، كان الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي أقل بنسبة 4 - 5 في المائة في الربع الأول مقارنة بالعام السابق، وهو انخفاض أكبر بكثير عنه في أمريكا. إلا أن Fredric Neumann، الخبير الاقتصادي في بنك HSBC، يرى دلائل غير مؤكدة على أن الإنفاق بدأ في التزايد. فقد زادت مبيعات التجزئة في تايوان في أيار (مايو) للشهر الثالث على التوالي. وزادت مبيعات المتاجر متعددة الأقسام في كوريا الجنوبية بنسبة 5 في المائة خلال العام حتى أيار (مايو).وغالبا ما يقال إن الاقتصادات الآسيوية الناشئة تملك فوائض كبيرة في الحساب الجاري - وأنها بالتالي لا تقوم بمهمتها في العالم بصورة تتناسب مع ذلك - لأن المستهلكين يحبون الادخار بدلا من الإنفاق. إلا أن هذا لا ينطبق فعليا على الواقع. فخلال السنوات الخمس الماضية، زاد الإنفاق الاستهلاكي في آسيا الناشئة بمعدل سنوي بلغ 6.5 في المائة، وهو أسرع بكثير عنه في أي منطقة من العالم. وصحيح أن الاستهلاك انخفض كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، إلا أن السبب في ذلك هو نمو الاستثمار والصادرات بشكل أسرع، وليس لأن الإنفاق ضعيف. ومقارنة بالإنفاق الاستهلاكي في أمريكا، زاد الاستهلاك في آسيا بصورة كبيرة.
ويبلغ الاستهلاك الخاص في معظم الاقتصادات الآسيوية 50 إلى 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة متوافقة مع المعدلات في الدول ذات مستويات الدخل المماثلة في مناطق أخرى. إلا أن الاستثناء من ذلك هو الصين. فقد انخفض الاستهلاك الخاص هناك من 46 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي عام 2000 إلى 35 في المائة فقط العام الماضي- نصف النسبة في أمريكا. وبأسعار الدولار، يبلغ الإنفاق نسبة السدس فقط عنها في أمريكا (الاستهلاك في سنغافورة منخفض أيضا، حيث يقل قليلا عن 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي).
ويفسر هذا سبب اتخاذ الحكومة الصينية أخيرا إجراءات أكثر جرأة من غيرها من الدول لزيادة الاستهلاك. فخلال الأشهر الستة الماضية، أدخلت الحكومة في بكين مجموعة من الحوافز لتشجيع الأسر على الإنفاق. ويحصل سكان الريف على إعانات لشراء السيارات وسلع أخرى مثل أجهزة التلفزيون والثلاجات وأجهزة الكمبيوتر والهواتف المحمولة؛ ويحصل سكان المدن على إعانات إذا استبدلوا السيارات والأجهزة المنزلية بسلع جديدة؛ وتم أيضا تخفيض معدلات الضرائب على السيارات التي تصدر انبعاثات أقل. وهناك إمكانات هائلة لزيادة الاستهلاك في الريف مع ارتفاع الدخول: تملك نسبة 30 في المائة فقط من الأسر الريفية ثلاجة مثلا مقارنة بجميع الأسر الحضرية مثلا. وأدخلت الحكومة أيضا عدة إجراءات هذا العام لتحسين شبكة الأمان الاجتماعي، مثل زيادة الإنفاق على الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية والمدفوعات للأسر ذات الدخل المنخفض. وفي الـ 19 من حزيران (يونيو)، أصدرت أوامر لجميع الشركات المملوكة للدولة المدرجة في البورصة منذ عام 2005 بنقل 10 في المائة من أسهمها إلى صندوق الضمان الاجتماعي الوطني لتعزيز أصولها. ومن المرجح أن يكون التأثير قصير الأجل متواضعا، ولكن إذا هدأت هذه الإجراءات مخاوف الأسر بشأن المعاشات التقاعدية المستقبلية والرعاية الصحية، فقد تشجع على المدى الطويل الأسر على تقليل الادخار وزيادة الإنفاق.
وثمة طريقة أخرى لزيادة الاستهلاك، وهي تسهيل الاقتراض. ففي معظم الاقتصادات الآسيوية، تقل ديون الأسر عن 50 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بنسبة تقارب 100 في المائة في العديد من الاقتصادات المتقدمة؛ وتقل في الصين والهند عن 15 في المائة. والاستثناء من ذلك هو كوريا الجنوبية: تتحمل الأسر ديون نسبة إلى دخلها بقدر تلك التي تتحملها الأسر الأمريكية، وقد انخفضت معدلات ادخارها خلال العقد الماضي من 18 في المائة من الدخل المتاح إلى 4 في المائة فقط. وفي عديد من الاقتصادات الآسيوية الأخرى، ليس هناك تمويل تقريبا للسلع الاستهلاكية المعمّرة. ومن الأمور المبشرة بالخير هي أن هيئة تنظيم البنوك الصينية أعلنت عن مشاريع قوانين في أيار (مايو) للسماح للمؤسسات المحلية والأجنبية بتأسيس شركات تمويل استهلاكي لتقديم قروض شخصية لمشتريات السلع الاستهلاكية. وهذه الإجراءات خطوة متواضعة في الاتجاه الصحيح. إلا أن الاختبار الأكبر لعزم الحكومات الآسيوية على تغيير ميزان النمو من الصادرات نحو الإنفاق المحلي هو فيما إذا كانت ستسمح لأسعار الصرف بالارتفاع. وسيسهم رفع قيمة العملة بتعزيز القوة الشرائية الحقيقية للمستهلكين ومنح الشركات سبب لتحويل الموارد نحو الإنتاج للسوق المحلية. ولكن حتى الآن لا يزال صنّاع السياسة مترددين في السماح لعملاتهم بالارتفاع بسرعة كبيرة.
ويعتبر الإنفاق الآسيوي بالفعل محركا مهما للنمو العالمي. وحتى قبل الأزمة، أسهم الإنفاق الاستهلاكي في آسيا الناشئة في نمو الطلب العالمي بصورة أكبر قليلا (بالقيمة المطلقة للدولار) من الإنفاق الاستهلاكي في أمريكا. ولكنه قد يكون أكبر من ذلك إذا تمتع الآسيويون بثمار عملهم الشاق، بدلا من تقديم الدعم للمستهلكين الغربيين من خلال العملات المقدرة بأقل من قيمتها. وقد حان الوقت لإحداث تحول أكبر في قوة الإنفاق من الغرب إلى الشرق >

الأكثر قراءة