الانضباط المالي يساعد في مكافحة التضخم «1 من 2»
سياسة المالية العامة يمكنها تيسير مهمة السياسة النقدية في خفض التضخم مع تخفيف المخاطر على الاستقرار المالي. كان الدعم الحكومي عاملا حيويا في مساعدة الأفراد والشركات على تجاوز مرحلة الإغلاقات العامة التي فرضتها جائحة كورونا ودعم التعافي الاقتصادي.
غير أنه في حالة التضخم المرتفع الذي يراوح مكانه، لا يوجد مبرر للدعم المالي المعمم. وقد تراجعت معظم الحكومات بالفعل عما كانت تقدمه من دعم أثناء الجائحة.
ومع استمرار معاناة الكثيرين، ينبغي أن تستمر الحكومة في إعطاء أولوية لمساعدة أكثر الفئات ضعفا على مواكبة التكلفة شديدة الارتفاع للغذاء والطاقة وتغطية التكاليف الأخرى ـ غير أن على الحكومات أيضا أن تتجنب زيادة الطلب الكلي الذي يهدد بعودة التضخم إلى الارتفاع. وفي كثير من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة، يمكن أن يحقق الانضباط المالي خفضا للتضخم مع تحقيق خفض مواز في المديونية.
تقوم البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة للحد من الطلب واحتواء التضخم، الذي بلغ في كثير من البلدان أعلى مستوياته منذ ثمانينيات القرن الماضي. ولأن ارتفاعات الأسعار السريعة مكلفة بالنسبة إلى المجتمع وضارة باستقرار النمو الاقتصادي، يجب أن تتحرك السياسة النقدية لمواجهتها على نحو حاسم.
وبينما تمتلك السياسة النقدية الأدوات اللازمة لخفض التضخم، فإن سياسة المالية العامة يمكنها وضع الاقتصاد على مسار أسلم في المدى الطويل من خلال الاستثمار في البنية التحتية والرعاية الطبية والتعليم، والتوزيع العادل للدخول والفرص عن طريق نظام عادل للضرائب والتحويلات، وتوفير الخدمات العامة الأساسية. غير أن رصيد المالية العامة الكلي يؤثر في الطلب على السلع والخدمات وفي الضغوط التضخمية.
وتخفيض العجز من شأنه تهدئة الطلب الكلي والتضخم، ومن ثم لا يحتاج البنك المركزي إلى رفع أسعار الفائدة كثيرا للوصول إلى هذه النتيجة. وإضافة إلى ذلك، فمع الأوضاع المالية العالمية التي تفرض قيودا على الميزانيات، ونسب الدين العام التي تجاوزت مستويات ما قبل الجائحة، فإن تخفيض العجز يعالج أيضا مواطن الضعف المتعلقة بالديون.
وعلى العكس من ذلك، فإن التحفيز المالي في بيئة التضخم المرتفع الحالية من شأنه إجبار البنوك المركزية على استخدام أدواتها بصورة أشد لكبح التضخم. وفي سياق الدين المرتفع للقطاعين العام والخاص، قد يتسبب هذا في زيادة المخاطر على النظام المالي، كما يوضح عدد تشرين الأول (أكتوبر) من تقرير الاستقرار المالي العالمي.
وعلى هذه الخلفية، فإن صناع السياسات لديهم مسؤولية فيما يتعلق بتوفير سبل الحماية القوية لمن يحتاجون إليها مع تقليصها في مواطن أخرى أو تعبئة إيرادات إضافية لخفض العجز الكلي. وتبرهن المسؤولية المالية ـ أو حتى الضبط المالي حيثما دعت الحاجة ـ على أن صناع السياسات مصطفون في مواجهة التضخم.
وعندما يكون الضبط المالي مستمرا، وهو ما يحدث في الوضع المثالي من خلال إطار متوسط الأجل للمالية العامة يحدد ملامح مسار السياسات على مدار الأعوام القليلة المقبلة، فإنه يعالج أيضا ما يلوح من ضغوط تهدد بقاء الدين في حدود مستدامة. وتتضمن هذه الضغوط شيخوخة السكان في معظم الاقتصادات المتقدمة وعدة اقتصادات صاعدة، والحاجة إلى إعادة بناء هوامش أمان يمكن الاستعانة بها في الأزمات المستقبلية أو في فترات الهبوط الاقتصادي.
وفي البحث الذي أجريناه، استخدمنا نموذجا مبسطا لبلدين (قد يكون "البلد الأصلي" فيه هو الولايات المتحدة أو مجموعة من الاقتصادات المتقدمة). ونبحث منهجين مختلفين لكبح التضخم. الأول يعتمد حصريا على التشديد النقدي لتهدئة النشاط الاقتصادي المحموم، بينما ينطوي الثاني على عملية للضبط المالي. وكلاهما مبني على نحو يترك آثارا متماثلة على النمو الاقتصادي، وكل منهما فعال في تخفيض التضخم. وفي ظل المنهج الأول، يسهم ارتفاع أسعار الفائدة وتراجع النمو في زيادة الدين العام. وفي الوقت ذاته، ترتفع أسعار العملات مع زيادة إقبال المستثمرين نتيجة لارتفاع العائد.
وفي ظل المنهج الثاني، يؤدي التشديد المالي إلى تهدئة الطلب دون الحاجة إلى رفع أسعار الفائدة، ومن ثم ينخفض سعر الصرف الحقيقي. ومع انخفاض تكاليف خدمة الدين وتراجع العجز الأولي، ينخفض الدين العام. ويعني ارتفاع سعر الصرف الحقيقي في ظل تشديد السياسة النقدية أن التضخم يسجل بعض الانخفاض الإضافي، ولكن هذا الفرق يتقلص إذا انتهجت بلدان أخرى هذه السياسات... يتبع.