ليس هناك مخرج
تمارس اليابان منذ فترة طويلة رأسمالية عائلية. ففي الأوقات الجيدة، يكون التواطؤ الصناعي، الذي يشرف عليه البيروقراطيون، سياسة رسمية من الناحية العملية. ويسمح ما يسمى "نظام النقل" للشركات المتنازعة بالاحتفاظ بحصة سوقية صغيرة, في حين تتقدم الشركات الأكبر والأفضل. ولعقود عديدة، ضمن هذا الشكل المريح من الرأسمالية ألا تكون المنافسة شديدة جدا وازدهر الجميع، وإن قليلا على الأقل. ولا شك أنه سهل فترات الصعود والهبوط خلال التنمية الاقتصادية المذهلة للدولة في فترة ما بعد الحرب، حيث إنها سرعان ما لحقت بركب الغرب. لذا ليس من المستغرب أن يدعو الكثير من السياسيين وقادة الأعمال إلى جرعة أقوى من هذا الدواء الآن. ففي الوقت الذي تكافح فيه اليابان أعمق ركود لها منذ الحرب، وضعت الحكومة آلية لمنح المساعدة المالية للشركات ذات الأداء السيئ، ويتم تشجيع الشركات على توفير الدعم لشركات التزويد الأضعف لها، ويطلب من البنوك القيام بدورها في هذا المجال أيضا.
وقد تقول إنه ليس هناك شيء غير عادي بشأن كل هذا. فالحكومات في جميع أنحاء العالم تتسابق لحماية شركاتها الكبيرة العزيزة والوطنية. وقد تم إنقاذ المؤسسات المالية وشركات تصنيع السيارات في كل من أمريكا وأوروبا. إلا أن مثل هذه المساعدات في الغرب هي الاستثناء، ولكنها محور النظام في اليابان. والمشكلة هي أن إبقاء الشركات المضطربة على أجهزة الإنعاش يعوق الشركات السليمة ويضر بالاقتصاد ككل. وينطبق هذا على كل مكان، إلا أن اليابان تقدم مثالا متطرفا يوضح مخاطر تدليل الشركات الضعيفة.
وقد استجابت شركات اليابان الأقوى بسرعة كبيرة نسبيا للركود، في تناقض ملحوظ للتردد خلال "العقد الضائع" في التسعينيات. ولا يزال من غير الواضح فيما إذا كانت قد فعلت ما يكفي. ولكن من المؤكد أن الجهود المبذولة لإنقاذ منافساتها الأضعف تضر بها.
والسياسيون، الذين لم يكونوا راغبين في تنفيذ الإصلاحات الهيكلية المؤلمة في الأوقات الجيدة نسبيا، أكثر ترددا الآن في تنفيذ الإجراءات الصارمة في الأوقات السيئة. وتمارس الحكومة ضغوطا على البنوك لتجديد القروض القائمة وتقديم قروض جديدة، ويتم تشجيع الشركات على تمديد الائتمان والحفاظ على علاقات العمل. وتمنح رزمة الحوافز الحكومية الأخيرة أموال دافعي الضرائب للشركات الفاشلة. وقد خصصت الخطة التي تمت الموافقة عليها في أيار (مايو) تريليوني ين (21 مليار دولار) لدعم الشركات المتعثرة (بصورة غير مباشرة). ومن بين أوائل الشركات الساعية للحصول على الدعم الحكومي، هناك Pioneer، شركة الإلكترونيات، وElipda، شركة تصنيع الرقاقات، وJapan Airlines.
ويسبب كل هذا ضررا هائلا. فيجب أن تخرج الشركات الضعيفة من السوق، إما عن طريق إعلان الإفلاس أو بيعها لشركة أخرى، وإلا سيتم خنق بيئة الأعمال بأكملها. ولدى اليابان الكثير من القدرة الإنتاجية في الكثير من الشركات - ثماني شركات لتصنيع الهواتف المحمولة مثلا، والتي تحقق القليل منها الربح. ويقلل هذا الأسعار والهوامش، وبالتالي يحرم الشركات المدارة بشكل أفضل من رأس المال الفائض الذي تحتاج إليه لتوظيف موظفين موهوبين أو شراء المنافسين أو الاستثمار في الأبحاث والتطوير. كما أنه يعوق الموارد، سواء البشرية أو المالية، التي يمكن استخدامها بصورة أكثر إنتاجية من قبل الشركات الأقوى. وقبل الانكماش، كان عائد الشركات اليابانية على حقوق المساهمين يبلغ نحو 10 في المائة، أي نحو نصف مستواه للشركات الأمريكية.
ومن المعبّر أيضا أن نسبة إغلاق الشركات في اليابان يبلغ نصف معدله في أمريكا وبريطانيا. ومن المتوقع أن يزيد عدد الشركات المعسرة في اليابان هذا العام بنسبة 15 في المائة فقط، على الرغم من عمق الركود الذي تعانيه، مقارنة بأكثر من 30 في المائة في أوروبا الغربية و40 في المائة في أمريكا. وعادة، تكون ندرة حالات إفلاس الشركات دلالة على حيوية الاقتصاد؛ ولكنها في اليابان دلالة على ضعفها الاقتصادي. وبالطبع، فإن إبقاء الشركات المتعثرة على قيد الحياة يحافظ على الوظائف. ولكن يجعل الهياكل الصناعية بالية ويعيق تطوير سوق عمالة أكثر مرونة وبيئة أعمال أكثر دعما لإنشاء الشركات الجديدة- وهما مجالان تفتقر إليهما اليابان أيضا.
ولا يزال الأموات الأحياء يتقدمون
وبما أنه من المقرر إجراء انتخابات عامة في أيلول (سبتمبر)، التي قد يأخذ فيها حزب سياسي جديد الحكم من الحكومة بعد أكثر من نصف قرن من الحكم المتواصل تقريبا للحزب الديمقراطي الليبرالي، لم يشر أي أحد إلى إصلاح الاقتصاد لإدخال المزيد من المنافسة في عدد أكبر من الصناعات. ولكن يجب أن يكون هذا على الأجندة. وخلال فترة الازدهار لما بعد الحرب، بنت اليابان سمعتها على خلفية المنتجات المبتكرة والنوعية الجيدة، وقد أصبحت منذ ذلك الحين تشتهر بشركاتها الحية الميتة.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه الحكومات في جميع أنحاء العالم للضغوط لإنقاذ كل شيء من شركات التجزئة إلى شركات السفر إلى شركات السيارات، فإن تجربة اليابان - انكماش متبوع بسنوات من الركود - هي خير تذكير على أهمية التدمير في الرأسمالية. وبدلا من الاستمرار في دعم الشركات المتعثرة، يجب على اليابان ودول أخرى تركها تسقط، لكي يكون بالإمكان إنشاء شركات جديدة أفضل.