الرد على المتمردين بالبرود
في الوقت الذي تواجه فيه إيران أكبر مظاهرات شوارع منذ ثورة عام 1979، ينتهج باراك أوباما سياسة "الانتظار وترقب ما سيحدث". وأولويته هي منع النظام الإيراني من الحصول على القنبلة النووية. وأسلوبه المفضل هو التفاوض مباشرة مع قادة إيران. وبما أنه من غير الواضح مَن سيتولى زمام المسؤولية في طهران، ينتظر أوباما الفرصة المناسبة.
وقد أجرت إيران انتخابات رئاسية في الثاني عشر من حزيران (يونيو). وقبل انتظار الوقت اللازم لعد الأصوات، أعلنت الحكومة الإيرانية فوز الرئيس الحالي، محمود أحمدي نجّاد، بهامش كبير. وفي تلك المرحلة، ربما كان يفضل كثير من الأمريكيين أن يعبر رئيسهم عن رأيه بصراحة. ولا يحب معظمهم أحمدي نجّاد، الذي ينكر حدوث الهولوكوست ولكنه يطلق تهديدات مبطنة بشن حملة هولوكوست أخرى على إسرائيل. ويعتقد كثير من الأمريكيين أنه قام هو شخصيا أو حلفاؤه بتزوير الانتخابات، وأن على أوباما أن يقول ذلك بلغة واضحة وشديدة اللهجة. ووصف جون ماكين، المنافس السابق لأوباما، الانتخابات الإيرانية بأنها انتخابات صورية فاضحة ودعا إلى اتخاذ إجراءات. إلا أن أوباما يتصرف بهدوء. فقد انتظر حتى الخامس عشر من حزيران (يونيو) لتقديم بعض الكلمات المحسوبة بدقة. وقال إنه "يشعر بقلق بالغ" من العنف الذي شاهده على شاشة التلفزيون. وأشار إلى أن الحكومة الإيرانية قالت إنها ستحقق في "المخالفات" التي حدثت خلال التصويت. وعبر عن أنه "لا يستطيع تحديد ما حدث بشكل قاطع" بما أنه لم يكن هناك مراقبون دوليون في إيران حينها. وشدد على أن "الأمر متروك للإيرانيين لاتخاذ قرارات بشأن قادة إيران". إلا أن هذه السياسة الحذرة قد تنقلب بسهولة إذا أصبحت الأحداث في إيران أكثر دموية.
وامتنع أوباما عن تقديم حتى الدعم الشفهي لحسين موسوي، القائد الإصلاحي الذي يحتشد أنصاره في الشوارع للاحتجاج - مع أنه ذهب إلى حد القول "إننا نعتقد أنه يجب سماع واحترام الشعب الإيراني وأصواتهم". وحتى نائب الرئيس، جو بيدن، الذي وصف أحمدي نجّاد بعد الحملة الانتخابية بأوصاف مثل "الرجل المخبول" أو "الرجل المعتوه" أو "الرئيس المجنون"، أبقى فمه مغلقا خلافا لعادته. وحين ضغط عليه مقدم برنامج تلفزيوني، قال فقط إن لديه "شكوك" حول الانتخابات الإيرانية.
ومنتقدو أوباما يتهمونه بالفشل في دعم الديمقراطيين ومواجهة الثيوقراطيين بالقوة اللازمة. وقال Eric Cantor، الجمهوري في مجلس النواب: "إن صمت الإدارة في مواجهة القمع الوحشي الإيراني للحقوق الديمقراطية هو خطوة إلى الوراء بالنسبة للديمقراطية المحلية في (الشرق الأوسط)." وقال Mitt Romney، المرشح الجمهوري الرئاسي السابق وربما المستقبلي: "من الواضح جدا أن سياسات الرئيس بأن يجوب العالم معتذرا عن أمريكا غير ناجحة".
ويبدو أن أوباما لم يتأثر بذلك. وبالنظر إلى تاريخ العلاقات الأمريكية - الإيرانية، (التي تشمل الانقلاب برعاية وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية عام 1953)، من غير المجدي أن ينظر إليها بوصفها تتدخل في الانتخابات الإيرانية، كما قال. وهو يفضل أن يدع الإيرانيين يختارون قادتهم. وخلص إلى القول إنه قد لا يتم اتخاذ القرار بصورة ديمقراطية، ولكن لا تستطيع أمريكا فعل الكثير حيال ذلك.
ويمكنه أن يقدم دعما معنويا كاملا أو حتى دعم مادي للمعارضة، إلا أن هذا سيأتي على الأرجح بنتائج عكسية: سيتمكن النظام حينها من تصوير معارضيه بوصفهم أذنابا للشيطان الأكبر. لذا سينتظر أوباما ثم يتعامل مع القائد الذي سيظهر في النهاية، كما يتوقع Brian Katulis، المحلل في مركز التقدم الأمريكي الفكري الذي يرتبط بعلاقة وثيقة مع البيت الأبيض.
وفي الوقت نفسه، على افتراض أن النظام الإيراني سيظل في السلطة، سيدخل أوباما المفاوضات بتوقعات منخفضة، كما يقول Katulis. ويبدو أن قادة إيران مصممون على الحصول على القدرة النووية التي ستمكنّهم من تصنيع القنبلة في وقت قصير وإيجاد الوسائل اللازمة لتنفيذ ذلك. ومن غير المحتمل أن تؤثر فيهم الضغوط الخفيفة. ولكن إذا اعتبر أوباما أنه يفضل إعطاء الديمقراطية فرصة، قد يسهل عليه بناء الدعم الدولي لفرض العقوبات. وحاليا، تصعّب وزارة الخزانة الحياة على البنوك التي تتعامل مع إيران، ولكن هناك دول أخرى، خاصة روسيا، تعارض فرض أية عقوبات أكثر صرامة.
ويراهن أوباما على قدرته على إعادة تشكيل الرأي العام العالمي. والخطوة الأولى هي إقناع المسلمين بأن أمريكا ليست عدوتهم. وفي خطابه في القاهرة هذا الشهر، اقتبس أوباما من القرآن الكريم، وأثنى على الثقافة الإسلامية، ووعد "ببداية جديدة" قائمة على "المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل". وفي خطاب ألقاه بمناسبة العام الإيراني الجديد في آذار (مارس)، أشاد "بالحضارة الإيرانية العظيمة"، قائلا إنه يريد "أن تحتل إيران مكانها الصحيح في مجتمع الدول".
ويعتقد أوباما أنه إذا صعّب عملية تصوير الأمريكيين بوصفهم إمبرياليين متعطشين للدماء، سيحرم المتشددين في إيران ودول أخرى من إحدى أقوى أدواتهم البلاغية والخطابية. وهذا سيخفف عليه صعوبة حل مشكلات الشرق الأوسط التي أحبطت جميع الرؤساء الأمريكيين السابقين، كما يأمل. فهو يعتقد أن كثيرا من مشكلات المنطقة مترابطة؛ ولكنه لم يتوصل بعد إلى استراتيجية كبرى لمعالجتها. وهو يتلمس طريقه بدلا من ذلك، محاولا الاحتفاظ بأكبر عدد ممكن من الناس إلى جانبه. وحين أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، في الرابع عشر من حزيران (يونيو) أنه قد يوافق على إقامة دولة فلسطينية ولكن فقط بموجب شروط يشجبها معظم الفلسطينيين، شدد أوباما بمهارة على الجوانب الإيجابية، إذ قال: "نحن نرى على الأقل احتمالية استئناف المحادثات الجدية".
ومن جهة أخرى، أثار أوباما انزعاج الصقور الموالين لإسرائيل حين طالب بإنهاء توسع المستوطنات اليهودية على الأراضي الفلسطينية. ويضغط أيضا على إسرائيل لكيلا تحاول تدمير البرنامج النووي الإيراني عن طريق قصفه. ولكن بقدر ما يحب الناس الإشارة إلى أن إسرائيل دمية في يد أمريكا، إلا أنها ليست كذلك، كما يقول Michael Rubin، الخبير في الشؤون الإيرانية في معهد المشروعات الأمريكي، وهو معهد فكري محافظ.
وما أثار قلق أوباما هو العضو الآخر المتبقي في محور الشر الذي حدده جورج بوش. ففي الأسبوع قبل الماضي، شدد مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة العقوبات على كوريا الشمالية بسبب أسلحتها النووية غير المشروعة. وفي السادس عشر من حزيران (يونيو)، ذكرت صحيفة New York Times أن البحرية الأمريكية ستحاول تفتيش سفن كوريا الشمالية المشتبه في أنها تهرّب الأسلحة أو التكنولوجيا النووية. وقالت الصحيفة إن البحارة الأمريكيين لن يصعدوا على متن سفن كوريا الشمالية دون إذن، ولكنهم سيتبعونها حتى الموانئ ويصرون على أن ترفض الدول التي ترسو فيها تلك السفن السماح لها بإعادة التزود بالوقود إلا إذا خضعت لعمليات التفتيش.
وفي مؤتمر صحافي مشترك مع رئيس كوريا الشمالية، أكد أوباما الفكرة الرئيسية للتقرير ولكنه شدد على أنه لا يزال يتم مناقشة التفاصيل مع الصين، روسيا، اليابان، وكوريا الجنوبية. وقال أوباما: "تنتهج كوريا الشمالية نمطا سلوكيا عدائيا، وإذا انتظرت فترة طويلة ستتم مكافأتها. ولكننا سنكسر هذا النمط".