التمويل اللامركزي .. مستقبل واعد ومخاطر كامنة «2 من 3»
تعد النظم المركزية التي تتمتع بإدارة قوية أكثر كفاءة من سلاسل الكتل العامة. ويمكن أن نستنتج من ذلك أن النظم المركزية تعد خيارا أفضل مقارنة بسلاسل الكتل العامة وأدوات التمويل اللامركزي.
لكن النظم المركزية تقوم على افتراض قوي للغاية، وهو الثقة بجهات الوساطة والمؤسسات التي يحيط بها قدر كبير من الغموض. غير أن هذه الثقة ليست أمرا مسلما به، فالتاريخ يذخر بأمثلة لا حصر لها على الفساد والأخطاء داخل المؤسسات. لكن عندما يناقش خبراء الاقتصاد البنية التحتية المالية، ويقارنون خصائص سلاسل الكتل العامة بخصائص دفاتر الحسابات المركزية، فإنهم عادة ما يفترضون حسن نيات الكيانات المركزية، ما يجعل من الصعب رؤية مزايا اللامركزية.
أما سلاسل الكتل العامة، فتتسم بالشفافية، لأنها لا تخضع لسيطرة جهة واحدة، وتتيح بالتالي بنية تحتية حيادية ومستقلة وغير قابلة للتغيير لإجراء المعاملات المالية. فالرموز يتم تخزينها وتنفيذها باستخدام نظام مفتوح، ما يعني أن جميع البيانات متاحة للاطلاع والتحقق من صحتها. ويسمح ذلك للباحثين وصناع السياسات بتحليل المعاملات، وإجراء دراسات تجريبية، وحساب المخاطر بصورة لحظية. والأهم من ذلك هو عدم فرض أي قيود على الاستخدام. وينعكس ذلك على جانبين.
أولا، يتيح انعدام القيود على استخدام النظم اللامركزية أساسا محايدا لا يمكنه التمييز بين حالات الاستخدام ولا بين المشاركين. ويتناقض ذلك تماما مع دفاتر الحسابات الرقمية الخاصة التي تخضع لقواعد تحددها جهة مركزية. ونظرا إلى أن المعايير المقبولة عالميا تصدر في إطار شديد المركزية، فقد يكون من الصعب الوفاء بها، فضلا عن أن حقوق المشاركة واستخدام البنية التحتية يمكن تسييسها بسهولة. وتحسبا لهذه المشكلات، فإن المشاركين الذين يستشعرون تمييزا محتملا ضدهم داخل البنية التحتية المركزية يمتنعون عن استخدامها. ومن شأن النظم اللامركزية التخفيف من حدة هذه الصعوبات، وربما تعالج بالتالي مشكلة انعدام أو محدودية التعاون.
ثانيا، يقوم نظام التمويل اللامركزي على بنية تحتية متعددة. وعدم مركزية الدفاتر لا يعني بالضرورة عدم مركزية جميع المستويات اللاحقة. فقد تكون هناك أسباب وجيهة لحظر أو تعديل صلاحيات الاطلاع على بعض الرموز أو البروتوكولات المالية. ويمكن تنفيذ هذه القيود على مستوى العقود الذكية دون التأثير في حيادية البنية التحتية الأساسية. إما إذا كانت الدفاتر نفسها "أي طبقة التسويات" مركزية بالفعل، فلن يكون إجراء العمليات اللاحقة دون تدخل مركزي أمرا ممكنا.
النظم المركزية تقوم على افتراض قوي للغاية، وهو الثقة بجهات الوساطة والمؤسسات.
وسنشهد تحولا على الأرجح نحو استخدام الدفاتر التي تجمع بين المدفوعات والأصول المرمزة والبروتوكولات المالية، مثل البورصات وأسواق الإقراض. والتمويل اللامركزي هو أول أشكال هذا التطور، وستكون هناك تطورات مماثلة على صعيد البنية التحتية المركزية. والسبب هو أن المعاملات المركبة سيتعذر تنفيذها ما لم تكن الأصول والبروتوكولات المالية في الدفتر نفسه.
وفي ظل آثار الانتشار الشبكي القوية، فإن الدفاتر التي تقتصر على الأصول المشفرة أو على العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية دون أنواع أخرى من الأصول أو البروتوكولات المالية لن تكون خيارا جذابا... يتيع.