أنا ومن بعدي الطوفان!
الثقافة العربية والإسلامية تزخر بنماذج مضيئة لمكارم الأخلاق، والقيم الأصيلة، مثل الحلم والإيثار وحسن التعامل. فهناك كتب، بل موسوعات عن مكارم الأخلاق في ثقافتنا وتراثنا. ألم نقرأ قصة معاوية بن أبي سفيان مع عبدالله بن الزبير – رضي الله عنهم جميعاً – حول مزرعة في المدينة المنورة؟ إذن، لماذا القلق؟!
يبدو أن التنمية الاقتصادية التي تعيشها بلادنا أفرزت بعض السلبيات في سلوكيات بعض الشباب التي تعكس اختلالاً في القيم. فالتغير الاقتصادي والتحسن المعيشي والتقدم التقني (المادي)، لم يواكبه قدر مماثل من التغير الثقافي- الاجتماعي، مما أحدث خللاً ما في الجوانب الثقافية والاجتماعية.
لا حاجة للذهاب بعيداً لملاحظة نماذج من هذه السلوكيات التي تعكس الأنانية، واللامبالاة وعدم الاكتراث بالآخرين، وعدم احترام كبار السن، وعدم احترام الوقت، وقلة الحلم، والميل للعنف اللفظي والجسدي. إن قيادة السيارة في أحد شوارع مدننا الكبيرة يثبت أن هناك خللاً أو اختلالاً لا بد من معالجته.
في كل يوم تشاهد ممارسات سلوكية تعكس الخلل في القيم والأخلاق، كالوقوف خلف سيارات متوقفة وإغلاق طريق خروجها دون اكتراث بظروف أصحابها، فالمهم لدى كثير من الناس هو إنجاز مهمته وقضاء حاجته، كمن يقول: "أنا ومن بعدي الطوفان".
إن القيادة بسرعة جنونية أو "التفحيط" في الطرق الرئيسة، والاستهتار بأرواح الآخرين دليل على اختلال القيم والمفاهيم الاجتماعية. كما أن الإسراف في استعمال الموارد، وعدم المحافظة على الممتلكات العامة مؤشر على اختلال القيم، وغياب الضمير اليقظ، وعدم الالتزام الحق بتعاليم الدين الحنيف.
إن عدم احترام قيم العمل وأخلاقياته وضعف الإنتاجية لدليل على الاختلال في القيم، خاصة أن القيم الإسلامية تحث على الإخلاص في العمل، امتثالاً بقول المصطفى عليه الصلاة والسلام "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه".
كما أن تدمير البيئة الطبيعية بمكوناتها النباتية وحياتها الفطرية دليل آخر على اختلال القيم وعدم الالتزام بتعاليم الدين الحنيف الذي يحث على عدم الإسراف ويدعو إلى رحمة الكائنات والأنفس الحية.
نموذج آخر في غرفة الانتظار في أحد المستشفيات في الرياض، يقوم أحد الأشخاص بأخذ ثلاثة أرقام بدلاً من واحد من أرقام تنظيم المراجعين، وبعد حصوله على الخدمة يقف أمام الباب، ويقوم بتوزيع الرقمين الآخرين على شخصين قادمين لطلب الخدمة، دون اكتراث بمن أتوا قبلهما، ويعتقد أنه يقدم عملاً محموداً، ويسدي معروفاً لأولئك الأشخاص، أو ربما يلتمس الأجر والثواب من عند الله. ألا يعكس هذا السلوك اختلالاً في القيم؟!
إن انشغال مدارسنا بتلقين المعارف، وإخفاقها في غرس القيم وتأصيل التربية، أسهم بدرجة ما في زيادة هذا الاختلال. إن عدم وجود أنشطة داخل الفصول الدراسية وخارجها، تحث على القيم النبيلة وتشجع على التحلي بالأخلاق الحميدة، إضافة إلى غياب المدرس القدوة، أسهم في تعميق الخلل في القيم الأخلاقية. ولا شك أن الأسرة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية.
وفي كل الأحوال، نحن في حاجة ماسة ليس لمراجعة مناهجنا وطرق تدريس أطفالنا والأنشطة الصفية وغير الصفية فقط، وإنما هناك حاجة للنظر في أسس اختيار المعلمين الذين هم قدوة التلاميذ في العلم والسلوك والأخلاق. وختاماً أخشى "أننا نبني الطرق والعمارات، ونفقد القيم والأخلاقيات".