نقاش ديوان المراقبة ومجلس الشورى .. حوار بلا لغة
كتبت جزءا كبيرا من هذا المقال بعد أن بث التلفزيون السعودي جلسة النقاش بين أعضاء مجلس الشورى ورئيس ديوان المراقبة العامة حول تقرير الديوان, وذلك قبل نحو ثلاثة أسابيع تقريبا. جاء ذلك النقاش وأتت تلك الجلسة بعد سلسلة من التصريحات المتبادلة بين بعض أعضاء مجلس الشورى وديوان المراقبة العامة عن التجاوزات والهدر في المال العام. تابعت النقاش باهتمام بالغ نظرا لأهمية الموضوع المطروح ولمستوى المشاركين في الطرح فهناك أعضاء مجلس الشورى من جهة وهناك رئيس ديوان المراقبة العامة في ثلة من أهم التنفيذيين وصناع القرار فيه. لكنه كان نقاشا مفاجئا على الأقل بالنسبة لي. كتبت المقال ثم توقفت حتى نشرت "الاقتصادية" سيرة الدكتور صالح العمير النائب السابق لوزير المالية السعودي والعضو السابق في مجلس الشورى, حيث أشار الحوار مع الدكتور صالح إلى عبارة مهمة جدا لعلي أقتبسها في هذا المقال, حيث لاحظ أثناء عضويته في مجلس الشورى أن أغلب الأعضاء يتحدثون ويدلون بآرائهم في كل شيء! دون النظر إلى التخصص. هذه العبارات توضح لماذا كان نقاش المجلس والديوان مفاجئا, فقد بدا لي الحوار بلا لغة مشتركة.
في الوقت الذي كان المعلن هو مناقشة الديوان في شؤونه ظهر لي أن المجلس ناقش كل شيء ما عدا دور الديون وتطوير أدواته. لقد كان رئيس الديوان صبورا إلى حد مدهش وهو يجيب عن أسئلة أعضاء المجلس التي لم يشفع لمعاليه تقرير الديوان ليجيب عنها. لقد كان رئيس الديوان كريما جدا وهو يدافع عن الديوان في الوقت الذي كان يجب على المجلس الإشادة به وتأكيد دعمه وتطويره. لقد بدا لي أن المجلس لا يفصل بين دور الديوان والوزارات المختلفة بل لا يفصل بين دور الديوان ودور المجلس نفسه, وأقول بدا لي ذلك.
ناقش المجلس بحدة قضية الهدر في المال العام التي اعترف بها تقرير الديوان, لكن المدهش في الأمر أن بعض أعضاء المجلس اعتبر ذلك وببساطة خللا في أعمال الديوان ويجب مساءلته عن ذلك. سأل البعض عن العهد وكيف بلغت 25 مليارا وكيف أن الأمانات تضخمت, وهنا بالذات موضع اندهاشي البالغ. والسؤال الذي كان يجب توجيهه لمجلس الشورى نفسه هو كيف عرف الأعضاء بهذه المعلومات؟ كيف وصلت هذه المعلومة؟ وما الأدلة التي تؤكد لهم صحتها؟ ببساطة إنه تقرير الديوان. فلقد قام الديوان بواجبه على أكمل وجه – من هذا الجانب - وقامت فرق العمل لديه بمراجعة فاعلة للمستندات والسجلات لكل الوزارات, ولهذا تم اكتشاف هذه التجاوزات وتم الإعلان عنها. وهذه هي جودة المراجعة كما عرفتها أفضل المراجع المتخصصة في هذا العلم. جودة المراجعة تعني القدرة على اكتشاف الانحراف والقدرة على التقرير عنه, وجميع هذه العناصر توافرت لدى الديوان في النقاط التي أثيرت عليه, بينما كان المجلس يناقشه بحدة لا معنى لها على هذا الإنجاز وكأن المجلس اكتشف بنفسه وجهد أعضائه هذه الانحرافات وواجه الديوان بها على حين غرة وغفلة منه. إن الاستنتاج البسيط, ولعله المستعجل لكل ذلك – ولعلي أعتذر هنا لبعض المتخصصين في المجلس - هو أن المجلس لم يفهم دور الديوان بحسب ما تقتضيه اللوائح والمواد التي تحكم أعماله, أو أن المجلس كان يناقش قضية غير التي طرحها الديوان في تقاريره, وأن لغة الحديث بينهما لم تكن العربية ولا نعرف ما هي بالضبط.
تنص المادتان السابعة والثامنة من نظام الديوان على اختصاصاته حيث تؤكد المادة (7) أن الديوان يختص بالرقابة اللاحقة على جميع إيرادات الدولة ومصروفاتها وكذلك مراقبة جميع أموال الدولة المنقولة والثابتة ومراقبة حسن استعمال هذه الأموال واستغلالها والمحافظة عليها .هذه المادة واضحة وهي تستخدم كلمة الرقابة والمراقبة, بينما المادة (8) أكثر وضوحا وهي تستخدم كلمة التحقق من أربعة موضوعات رئيسية حددتها المادة بكل وضوح. إذاً دور الديوان محصور في الرقابة والتحقق والرفع بنتائج تلك الإجراءات إلى الوزارات والجهات المختصة لتقوم (كجهات تنفيذية) بتصحيح المخالفات واستعادة الأصول التي تم استخدامها بطريقة مخالفة للوائح. الديوان ليس مؤسسة تنفيذية ولا يملك مثل هذه الصلاحيات, الديوان يختص بالرقابة, والرقابة فقط, واللاحقة منها فقط, أي بعد أن تتم العملية وبعد أن تحدث المخالفات (في معظم الحالات). نحكم على أداء الديوان من خلال قدرته على اكتشاف المخالفات ولكنه غير مسؤول عن إهمال الوزارات في تصحيح الوضع. لهذا لم أفهم الحوار الذي دار بين الوزير وأعضاء مجلس الشورى, حيث بدا لي أن الأعضاء يحاسبون الديوان لأنه اكتشف ورفع تقاريره بالمخالفات. يحاسب الديوان لأنه قام بدوره بكل جدارة. العهد التي طال الحديث عنها تعد مسؤولية الوزارات التي تتجاوز الأنظمة ومسؤولية وزارة المالية التي ما زالت تمنح الوزارات المال رغم هذا الهدر الذي يكتشفه الديوان ويقرر عنه. كان الأولى مطالبة الديوان بتفصيل العهد والمسؤوليات عنها بحيث يرفع تقريرا عن العهد مصنفة بحسب كل وزارة ومؤسسة ومن ثم يقوم مجلس الشورى بمناقشة كل وزير وبحضور ديوان المراقبة العامة ووزارة المالية.
إن الأسئلة المهمة التي كان يجب على المجلس إثارتها هي كيف أن وزارة المالية لم تستطع إجبار الوزارات على إقفال العهد وتسديد الأمانات؟ كيف لم تستجب الوزارات؟ كيف نستطيع إنشاء لجنة أو مؤسسة لمتابعة تصحيح المخالفات التي يكتشفها الديوان؟ وما جدوى مثل هذا الطرح؟ كنت أنتظر من لقاء المجلس والديوان الخروج بمثل هذه التوصية المهمة جدا لكن الوقت مضى في مناقشات هامشية.