عوامل دعم جديدة لأسعار النفط .. تراجع الدولار وتوقعات تعافي الطلب الصيني
استهلت أسعار النفط الخام تعاملات الأسبوع على ارتفاع بسبب تراجع الدولار الأمريكي، وتوقع تعافي الطلب على النفط الخام في الصين وفي ظل توقعات تعثر القادة الأوروبيين في إقرار سقف أسعار للنفط الروسي خلال قمة الخميس المقبل.
وتستمر مخاوف الركود في الحد من ارتفاع الأسعار خاصة في ظل توقعات باستمرار الفيدرالي الأمريكي في سياسة الزيادات المتلاحقة لأسعار الفائدة بهدف كبح جماح التضخم في البلاد، الذي وصل إلى مستويات قياسية غير مسبوقة.
ويقول محللون نفطيون إن الإدارة الأمريكية ركزت في فترات سابقة على مضاعفة برامج انتقال الطاقة بدلا من تحفيز النمو في إنتاج النفط والآن تركز على المطالبة بزيادة الإمدادات من النفط، مشددين على أن تبدل السياسات إلى النقيض نال كثيرا من استقرار وأمن الطاقة.
وأوضح المحللون أن شركات النفط الدولية يمكن أن تسهم في تطوير موارد النفط والغاز في عديد من مناطق الإنتاج الواعدة حول العالم، على الرغم من أن معظمهم سيستثمرون فقط في المشاريع التي تتماشى مع أهدافهم الخالية من الانبعاثات، حيث يمكن أن يساعد ذلك إفريقيا – على سبيل المثال - على توفير النفط والغاز منخفض التكلفة والكربون الذي يريده العالم، حيث إن هناك فرصة لبناء مستقبل منخفض الكربون بالاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة والهيدروجين وغيرها وذلك بالتوازي مع إزالة الكربون من تطوير الوقود الأحفوري، ويمكن اتباع هذا النهج المزدوج الذي يدفع نحو النمو الاقتصادي.
وفي هذا الإطار، يقول لـ"الاقتصادية" روبرت شتيهرير مدير معهد فيينا الدولي للدراسات الاقتصادية: إن السوق ربما تكون مقبلة على نقص في الإمدادات تماشيا مع مخاوف الركود، لافتا إلى أن الولايات المتحدة تسارع إلى الإفراج عن الاحتياطي الاستراتيجي النفطي، وكان ينبغي لها من البداية أن تضخ مزيدا من النفط والغاز، وأن تدعم هذه الصناعات قبل فترة نشوب الحرب في أوكرانيا.
وأشار إلى أن الولايات المتحدة كان يمكن أن تصبح رائدة في التعامل مع الأزمة بالتركيز على لعب دور المنتج المتأرجح لضبط إيقاع السوق، ولكن خطط التحول والتضييق على شركات الطاقة التقليدية كانت سريعة وغير دقيقة في ظل بقاء الوقود الأحفوري مسيطرا على مزيج الطاقة العالمي.
من جانبه، يقول ردولف هوبر الباحث في شؤون الطاقة ومدير أحد المواقع المتخصصة: إن الشركات الأمريكية كانت أول المتحفظين على الدعوة إلى زيادة الإنتاج بسبب عدم وضوح سياسات الطاقة الفيدرالية، ونقص العمالة والاستثمارات وارتفاع تكاليف الإنتاج خاصة بعد تفاقم أزمة الطاقة عالميا.
وأوضح أن كثيرا من المراقبين للسوق يعدون أن أزمة الطاقة تفاقمت بسبب انشغال عديد من الحكومات خاصة في الدول الصناعية الكبرى بالتحول إلى مصادر الطاقة المتجددة، مضيفا أن الواقع العملي يؤكد أن الوقود الأحفوري ما زال يدير الاقتصاد في العالم اليوم وسيستمر لعقود مقبلة - بحسب تقديرات عديد من المنظمات الدولية الموثوقة المعنية بالطاقة.
من ناحيته، يقول ماثيو جونسون المحلل في شركة "أوكسيرا" الدولية للاستشارات: إن اقتصاد العالم يتطلع الآن إلى مزيد من إمدادات النفط والغاز، وهو ما يفسر ارتفاع الأسعار نتيجة نقص الاستثمار على مدى الأعوام الماضية بسبب جائحة كورونا وجهود مكافحة تغير المناخ وغيرها من العوامل التي عطلت انطلاق عجلة الاستثمار في قطاعات الطاقة التقليدية.
وأشار إلى أن الموارد ما زالت هائلة وتنتظر انتعاش ورواج الاستثمار، لافتا إلى تقرير صدر عن شركة وود ماكينزي يؤكد امتلاك إفريقيا موارد هائلة غير مستغلة، موضحا أنه في العقد الماضي تم اكتشاف 61 مليار برميل من الموارد التقليدية في إفريقيا، أي ما يقرب من ضعف ما تم اكتشافه في أي منطقة أخرى في مجال المنبع وقد كان الغاز الطبيعي يمثل الجزء الأكبر من هذه الموارد.
وأوضح أن تزايد أزمة الطاقة وخروج الدعوة إلى مزيد من إمدادات النفط والغاز يتطلبان التحرك سريعا نحو زيادة الاستثمار وزيادة جهود الاستكشاف، مشيرا إلى أن الاستثمار في مشاريع المنبع في إفريقيا، يتجه بالفعل نحو الارتفاع القوي وهو ما يمكن أن يؤدي إلى مضاعفة الإنفاق بحلول عام 2025 من أدنى مستوياته قبل عامين.
بدورها، تقول ليزا إكسوي المحللة الصينية ومختص شؤون الطاقة: إن الحكومات يجب أن تساند المستثمرين في تعظيم قيمة المشاريع من خلال تقليل الفاصل الزمني بين الاكتشاف إلى الإنتاج الأول وتوليد وتعزيز التدفق النقدي، كما يجب أن تعمل على الحد من البيروقراطية لتسريع عملية التصاريح والتراخيص والموافقات وتحفيز المستثمرين بالاستقرار المالي.
وأشارت إلى التزام "أوبك" و"أوبك +" بمعايير المناخ ورغبتهم في رفع الكفاءة وتقليص الانبعاثات خاصة مع قرب انعقاد مؤتمر COP27 في شرم الشيخ، مشددة على أن أهمية تطوير موارد الوقود الأحفوري لدفع الازدهار الاقتصادي وتوفير إمكانية الوصول إلى الطاقة بأسعار معقولة لأكثر من 500 مليون شخص دون كهرباء حاليا – بحسب تقديرات الأمم المتحدة.
من ناحية أخرى، استقرت أسعار النفط أمس مع تبديد المخاوف من احتمال أن يدفع ارتفاع التضخم وتكاليف الطاقة الاقتصاد العالمي إلى الركود أثر مواصلة الصين تخفيف سياستها النقدية.
وارتفعت العقود الآجلة لخام برنت 17 سنتا أو 0.2 في المائة إلى 91.80 دولار للبرميل بحلول الساعة 09:15 بتوقيت جرينتش لتتعافى من هبوط بلغ 6.4 في المائة الأسبوع الماضي.
وسجل خام غرب تكساس الوسيط الأمريكي 85.67 دولار للبرميل، مرتفعا ستة سنتات أو 0.1 في المائة بعد انخفاضه 7.6 في المائة الأسبوع الماضي.
وأبقى البنك المركزي الصيني سعر الفائدة دون تغيير للشهر الثاني، في إشارة إلى أنه سيواصل الحفاظ على سياسة نقدية تتسم بالتيسير.
وقالت تينا تينج المحللة في مؤسسة "سي إم سي ماركتس" إن النفط وجد دعما من مجموعة من العوامل، من بينها تصريحات الرئيس الصيني شي جين بينج في مؤتمر الحزب التي أكدت السياسات التيسيرية للاقتصاد فيما يمثل علامة إيجابية للتوقعات الخاصة بالطلب.
وأضافت أن "التوقعات المستقبلية لمؤشر الدولار تراجعت ما أتاح أيضا فرصة انتعاش لأسواق النفط". ويؤدي هبوط الدولار إلى جعل النفط في متناول حائزي العملات الأخرى.
ومن المتوقع أن تنشر الصين بيانات تجارية واقتصادية هذا الأسبوع. وعلى الرغم من أن نمو الناتج المحلي الإجمالي الصيني في الربع الثالث قد ينتعش مقارنة بالربع السابق، فإن سياسة شي الصارمة بشأن كوفيد - 19 جعلت ثاني أكبر اقتصاد في العالم يواجه ما سيكون على الأرجح أسوأ أداء سنوي منذ ما يقرب من نصف قرن.