هل إيران على شفا تغيير؟
"سكوت المراجع الدينية أخطر من تزوير الانتخابات"
مير حسين موسوي
في ظل انغماس العالم في متابعة الملف النووي ورغبة إيران الملحة في طموح إقليمي أتت الانتخابات الإيرانية لترمي إيران في عاصفة سياسية وتكشفها داخليا. لا نعرف كيف ستنتهي إفرازات الانتخابات الرئاسية على المستوى الظاهر إعلاميا وحتى أمنيا ولكن على مستوى آخر سوف تكون هذه الانتخابات نقطة تحول في خلخلة منظومة الحكم الديني الثوري في إيران. لعل إيران تقف على نهاية الحقبة الثورية ودخول حقبة أخرى.
بعد مرور ثلاثة عقود على الثورة وفشل الطبقة الحاكمة في بناء اقتصادي اجتماعي سياسي حديث يحقق رغبة الإيرانيين وطموحهم في ثمرات الثورة وانتفاء أعذار الحرب مع العراق والتجربة في تغيير رؤساء من المحافظين والليبراليين وتغير التركيبة السكانية في إيران، حيث يشكل الإيرانيون الذين ولدوا بعد الثورة نحو 75 في المائة وبالتالي هؤلاء لا يحملون إرث التركة المناوئة للغرب أو قبول المعاناة الاقتصادية من تضخم أو بطالة. فبعد وعود ثورية طالت لا تزال إيران بلد عالم ثالث اقتصاديا واجتماعيا ويعتمد في الأساس على تصدير النفط، وهو بهذا لا يختلف كثيرا عن دول المنطقة. هذا من الجانب المادي أما من الجانب العاطفي والمعنوي فيصعب فهم إيران دون إعطاء هذه الأبعاد حقها.
لا تزال إيران سجينة التاريخ الإمبراطوري، ولعل في تركيزها على البعد العربي على حساب حدودها الأخرى تلميحة واضحة في هذا الشأن، من بعد آخر لا يقل أهمية في فهم إيران يتمخض في هذه التوليفة بين الدين والبعد الأيديولوجي والسياسة الثورية القومية.
فثورة إيران لا تختلف عن غيرها من الثورات: قومي في غلاف حمائي أيديولوجي يُستنزف مع الوقت. وهنا نقطة التحول، فقد تكون إيران وصلت إلى النهاية المنطقية للبعد الأيديولوجي وما أكثر الشكاوى والتشكي من هدر إيران أموالها على أنظمة ومنظمات خارجية دون مردود.
لم تستطع إيران الثورية حل إشكاليات التنمية ناهيك عن استحقاقات الوعود الثورية (لاحظ الفرق مع التجربة الصينية)، فقد قادها الطموح والتجربة المريرة مع الغرب إلى رفع سقف التحدي الدولي والإقليمي في الحصول على السلاح الذري والقدرة الصاروخية على إرساله بعيدا عن الدفاع. وهنا تداخل الفشل الداخلي مع الطموح الإقليمي والدولي وخاصة القدرة الذرية مما أدى إلى صدام مع الكل عدا من أعتقد أنه مظلوم طائفيا أو فاقد لأي دعم جيوسياسي مادي.
المحصلة النهائية أن إيران أخذت على عاتقها أكثر مما تستطيع مرحليا. فإيران ليست الهند أو الصين ولا حتى البرازيل حجما وعمقا وتجربة حديثة. كما أن نقاط الضعف لديها كثيرة ومنها التركيبة السكانية التي لا يشكل فيها الفرس أكثر من 55 في المائة هم في الغالب سكان المنطقة الوسطى وامتدادها، أما الأطراف فيغلب عليها قوميات أخرى لم تكن على ود دائم مع القومية الفارسية ولكن العامل الأهم في المدى المنظور هو الضعف الاقتصادي وفوضى السياسات الاقتصادية على مدى العقود الماضية بما فيها من فساد وهيمنة حكومية غير كفؤة.
الرابط بين هذه الأبعاد الاستراتيجية وإفرازات الانتخابات هو تلك التركيبة المعقدة في منظومة الحكم، فالرئيس ليس أكثر من رئيس وزراء "منتخب" بينما "المرشد الروحي" هو من يمسك بكل ما هو مهم، ليس في الاستراتيجيات فحسب، بل حتى تعيين وإدارة الأجهزة الأمنية والإعلامية والقضائية. تداخل المادي والعاطفي مع المرحلي والتاريخي يجعل من إيران لغزا بدأ بالحل ولو تدريجيا. وما مقولة مير حسين موسوي إلا علامة واضحة على عمق الإشكالية.