السمنة .. علينا تغيير الظروف وليس الناس
في المرة المقبلة التي تدخل فيها في نقاش عن الكم الهائل من المشكلات الصحية التي تواجه العالم اليوم، جرب تجربة صغيرة. ألق نظرة سريعة على ساعتك وتحقق من الوقت المستغرق حتى يقول أحدهم إن الأمر كله يعود إلى السمنة. أظن أن ذلك سيحدث خلال أول خمس دقائق، على أقصى تقدير.
معدل وفيات كوفيد المرتفع في الولايات المتحدة؟ بسبب السمنة. مرض مزمن يقوض القوى العاملة في بريطانيا؟ بالتأكيد السمنة. هيئة الخدمات الصحية الوطنية في أزمة؟ إنها السمنة.
لنكن واضحين، إن معدلات السمنة المتزايدة تسهم في جميع هذه الأمور وغيرها كثير، لكن تحديدها على أنها سبب المشكلة هو بالفائدة نفسها عندما يلاحظ مدرب كرة القدم أن فريقه يخسر لأن الفريق الخصم سجل أهدافا أكثر. السمنة المفرطة ليست سببا للمشكلة، بل هي أحد الأعراض.
على مدار الـ 50 عاما الماضية، لم يعكس أي بلد اتجاه ارتفاع معدلات السمنة. يبدو في الأغلب أن أحد الأسباب وراء ذلك على نحو متزايد هو أن الفهم العام والسياسي لمسبباتها قد عفى عليه الزمن للأسف، ما يعني أن معظم العلاجات المقترحة -مثل وضع الملصقات على المواد الغذائية- مضللة، وأن كثيرا من المحفزات، مثل الإجهاد والأطعمة المعالجة الوفيرة لم يتم فحصها.
لقد ثبتت عدم صحة فكرة "المسؤولية الفردية"، القائلة إن الأشخاص يكتسبون وزنا نتيجة قرارات مدمرة للذات. كما تم دحض الرأي القائل إن الأمر يتعلق ببساطة بالسعرات الحرارية التي ندخلها إلى جسمنا ناقص السعرات الحرارية التي نحرقها.
في حين أن الأشخاص الذين يستهلكون كثيرا من السعرات الحرارية يمكنهم أن يزيدوا كمية الطاقة التي يستهلكونها خلال القيام بمزيد من النشاط البدني، فإن الذين يقللون من تناولهم الطعام في محاولة لفقدان الوزن يجدون أن ممارسة مزيد من التمارين الرياضية ليس له تأثير يذكر في حرق السعرات الحرارية. يعوض الجسم من خلال خفض الطاقة لوظائف أخرى، ما يجعل فقدان الوزن أصعب بكثير من الحفاظ على الوزن.
هناك إجماع علمي الآن على أن قابلية زيادة الوزن هي في الأغلب نتيجة للتفاعل بين الاستعداد الوراثي (المسؤول تقريبا عن نصف التباين في مؤشر كتلة الجسم)، وبين العوامل البيئية.
حتى لو وضعنا الفروق الجينية جانبا، من الصحيح تماما أن نقول إن الذين يستهلكون سعرات حرارية أكثر أو ذات جودة أقل يزيدون خطر اكتسابهم الوزن أو تطوير مشكلات صحية ذات صلة. السؤال هو لماذا يستهلك الناس السعرات بشكل مختلف؟
تشير الأدلة على نحو متزايد إلى عوامل خارجية. وجدت مجموعة من الدراسات أن التوتر المزمن أو الشعور بالوحدة أو عدم الرضا عن الحياة أو أحداث الحياة السلبية ترتبط ارتباطا وثيقا بزيادة الوزن. انعدام الأمن الوظيفي والصعوبات المالية من الأمور ذات الأهمية الخاصة. وجدت دراسة أخرى أن بين الأشخاص الأكثر قابلية لاكتساب الوزن، كان الافتقار إلى التحكم في المهام التي يؤدونها في وظائفهم، وكيفية أدائهم لها، مرتبطا بقوة بزيادة الوزن.
في كتاب هايرد لجيمس بلودوورث، وبعد أن عمل حتى ساعات متأخرة في سلسلة من النوبات الليلية المميتة ذهنيا في أحد مستودعات شركة أمازون، يصف رغبته "بمهدئات عاطفية"، عادة على شكل طعام أو شراب. يضيف أن "انتظام العادات الغذائية لا يتوافق ببساطة مع عدم انتظام العمل والدخل".
لعل أبرز مثال على دور العوامل الخارجية في زيادة الوزن هو الارتفاع الحاد في السمنة المبلغ عنه في كثير من الدول أثناء الجائحة، مع تسليط الضوء على عرقلة الإجراءات الروتينية وزيادة التوتر.
لكن هذه هي حالة صنع السياسات القائمة على الأدلة بشأن السمنة، حيث نجد أنفسنا في موقف أصبح فيه بيان السعرات الحرارية إلزاميا الآن في معظم المطاعم في بريطانيا والولايات المتحدة، كما أن نصائح إنقاص الوزن موجودة في كل مكان. في الوقت نفسه، كانت حصة الأطعمة المعالجة في الأنظمة الغذائية الغربية وعدد مطاعم الوجبات السريعة أعلى من أي وقت مضى، كما قفزت نسبة الأشخاص الذين أبلغوا عن تأثير ضئيل في مهامهم في العمل منذ التسعينيات.
تظهر لنا السمنة في المقام الأول ما يلحق بالناس، وليس ما يفعله الناس بأنفسهم. إن زيادة الأكل الصحي والتمارين الرياضية هي أهداف رائعة وستحسن النتائج الصحية بغض النظر عن تأثيرها في الوزن. لكن إذا أراد أي بلد عكس واحد من أكثر الاتجاهات صعوبة في العالم، فيجب على صانعي السياسات فيه أن يدركوا أن الحل لن يأتي من مخاطبة الناس بنبرة انتقاد، بل عبر تحسين جودة حياتهم وبيئتهم.