بنجلادش .. نمر يترعرع في جنوب آسيا

بنجلادش .. نمر يترعرع في جنوب آسيا

اذكر دولة يقل دخل الفرد فيها عن 500 دولار، وتنجب النساء في المتوسط 4.5 طفل، ويعيش 44 في المائة من الناس في فقر مدقع؟ الجواب هو بنجلادش نحو عام 1990.
اليوم هذه الدولة على الرغم من كل مشكلاتها تتغير. زاد نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي ثمانية أضعاف. لدى النساء طفلان في المتوسط، ما يعني أن الآباء لديهم مزيد من الأموال لتكريسها لتعليم كل طفل وصحته ورفاهيته - ولدى البنوك مزيد من المدخرات لإعادة تدويرها في الصناعة. انخفضت نسبة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع أكثر من النصف.
تحسن وضع المرأة بشكل كبير. عدد الفتيات في المدارس الثانوية أكثر من الفتيان. في 1971، عندما حصلت البلاد على استقلالها، توفي طفل من كل خمسة أطفال قبل سن الخامسة. اليوم هذا الرقم هو طفل واحد من كل 30.
يجب على المرء ألا يبالغ. بنجلادش لا تزال فقيرة. إنها تكافح مع الاضطرابات السياسية، والمخاطر البيئية، ومستويات عالية من الفساد. هذا الأسبوع فقط، اتصلت بصندوق النقد الدولي للحصول على قرض بمليارات الدولارات. لكن إذا نظرت إلى المدى البعيد، فإن بنجلادش - التي وصفها هنري كيسنجر بأنها "سلة لا قاع لها" - تعد نجاحا تنمويا.
في وضعها الحالي، تحمل بنجلادش دروسا لأجزاء كثيرة من إفريقيا، على الرغم من أنها نادرا ما يتم ذكرها بوصفها نموذجا للتنمية. كثيرا ما يتم الاستشهاد بكوريا الجنوبية وسنغافورة، لكن لم تقترب أي دولة إفريقية من مجاراة نجاحها.
تقدم بنجلادش لمحة عما هو ممكن حقا وتوبيخا لأولئك الذين يرون الأداء الوطني السابق دليلا على آفاق المستقبل، وكذلك لأولئك الذين يصرفون النظر عن قارة بأكملها. انبثقت بنجلادش المستقلة من حرب أهلية وشهدت بسرعة مجاعة واغتيالات سياسية. من هذه البداية غير الواعدة جاءت نسخة من النجاح.
يعزو ستيفان ديركون، الاقتصادي المتخصصة في شؤون التنمية في جامعة أكسفورد، هذا إلى ثلاثة عوامل رئيسة. أولا، هناك صناعة النسيج التي نمت صادراتها من 32 مليون دولار في 1984 إلى 34 مليار دولار اليوم. في 2020 كسبت بنجلادش من صادرات الملابس ضعف ما كسبته جميع الدول الإفريقية البالغ عددها 54 مجتمعة.
العامل الثاني هو التحويلات. أرسل البنجلادشيون العاملون في الخارج 22 مليار دولار إلى بلادهم العام الماضي. العامل الأخير، وفقا لديركون، هو دور المنظمات غير الحكومية، مثل منظمة براك وبنك جرامين، اللذين يوفران شبكة أمان تعطي دفعة لبعض الفقراء.
في أي من هذا، كما يجادل ديركون في كتابه "الرهان على التنمية"، هل كان لدى الحكومة "خطط أو استراتيجية". بدلا من ذلك بقيت بعيدة عن الطريق. امتنعت، مثلا، عن قتل صناعة النسيج الناشئة وتركت المنظمات غير الحكومية تعمل دون معوقات. صحيح أن بنجلادش نمت من خلال استغلال العمالة الرخيصة الخاصة بها، وبتكلفة رهيبة في بعض الأحيان. سحق أكثر من ألف عامل ملابس حتى الموت في مأساة رانا بلازا في 2013. لكن كل دولة صناعية بأهوال مماثلة، بدءا من بريطانيا بأحيائها الفيكتورية الفقيرة، إلى اليابان وفضيحة التسمم بالزئبق في ميناماتا.
تشارلي روبرتسون، كبير الاقتصاديين في رينيسانس كابيتال، يعزو نجاح التنمية في بنجلادش إلى ثلاثة عوامل. "الاقتصاديون يحبون التعداد بثلاث". محو الأمية، والكهرباء، والخصوبة. في كتابه "اقتصادي مسافر عبر الزمن"، يجادل بأن الشروط الأساسية للازدهار الصناعي هي معرفة القراءة والكتابة للبالغين بنسبة تزيد على 70 في المائة، وإمدادات الكهرباء التي تزيد على 300 كيلو واط/ ساعة لكل شخص، ومعدل خصوبة أقل من ثلاثة أطفال - جميعها نجحت فيها بنجلادش.
كثير من الدول الإفريقية لديها معدلات معرفة بالقراءة والكتابة فوق 70 في المائة، ما يعني أن لديها قوة عاملة جاهزة. لكن قلة يمكنها توفير كهرباء موثوقة بأسعار تنافسية. معظمها، بدءا من غينيا بيساو "21 كيلوواط/ ساعة للفرد)" إلى إثيوبيا "82 كيلو واط/ ساعة" ونيجيريا "150 كيلو واط/ ساعة"، تفشل في تجاوز حاجز روبرتسون البالغ 300 كيلو واط/ ساعة.
إصرار روبرتسون على أن الدول لا يمكنها الازدهار ما لم ينخفض معدل الخصوبة إلى أقل من ثلاثة هو أمر مثير للجدل. لكنه يقول إن هناك علاقة مباشرة بين حجم الأسرة ومدخراتها وتوافر الإقراض المصرفي للصناعة والقدرة على تحمل تكاليفه. بنجلادش لديها معدل قروض إلى الناتج المحلي الإجمالي يبلغ 39 في المائة، مقابل 12 في المائة لدى نيجيريا. معدل الخصوبة فيها اثنان مقابل 5.2 في نيجيريا.
الدول الإفريقية التي تقل معدلات الخصوبة فيها عن ثلاثة تشمل بوتسوانا وموريشيوس والمغرب وجنوب إفريقيا، وهي من بين أغنى الدول في القارة. هناك مجال لمناقشة السبب، لكن العلاقة قوية. تراوح بقية إفريقيا من كينيا ذات الدخل المتوسط، مع معدل خصوبة يبلغ 3.4 طفل، إلى النيجر التي هي إحدى أفقر دول العالم، مع معدل خصوبة 6.7 طفل.
بنجلادش اليوم هي المكان الذي كانت فيه كوريا الجنوبية في 1975، عندما كانت على أعتاب معجزة. عديد من الدول الإفريقية تفي أو تكاد تلبي معايير روبرتسون للازدهار. الحكومات الصادقة والمتطلعة إلى الأمام تساعد بلا شك. لكن بنجلادش تظهر أن هناك طريقا مشوشا نحو الازدهار أيضا.

الأكثر قراءة