ارتفاع الإيجارات.. عاصفة التضخم تترك الأمريكيين بلا مأوى
لم يشهد إيريك فارميلانت أبدا خلال حياته المهنية، التي استمرت ما يقارب العقد في سمسرة العقارات في ميامي، مستأجرين يشاركون في حروب مزايدة على العقارات المؤجرة حتى أدت جائحة فيروس كورونا إلى زيادة الطلب الشديد على المنازل المطلة على الشاطئ في فلوريدا. لم يعد بإمكانه إظهار أربع أو خمس قوائم للعملاء لأن كثيرا من العقارات تؤجر دون رؤيتها.
قال فارميلانت، الذي يعمل في مجموعة إيبيس ريالتي، "ترى المستأجرين يقدمون إيجارا لمدة عام مقدما لقبول عرضهم".
ارتفعت الإيجارات 40 في المائة تقريبا منذ كانون الثاني (يناير) 2021، وفقا لخدمة أبارتمنت ليست، ما يشير إلى اتجاه أوسع ساد البلاد.
بالنسبة إلى السماسرة، الزيادات في الإيجار المكونة من أرقام زوجية بمنزلة نعمة لهم. لكن بالنسبة إلى الاحتياطي الفيدرالي، فإنها تمثل عقبة أخرى في سعي البنك المركزي للسيطرة على أسوأ مشكلة تضخم منذ عقود.
مع توقع القليل من الهدوء على المدى القريب، يحذر اقتصاديون من أن الإيجارات المرتفعة ستكون عاملا محفزا، حيث يواصل الضغط التصاعدي على التضخم حتى مع توقف نمو أسعار المستهلك للفئات الأخرى. إنه يجعل مهمة البنك المركزي الأمريكي في معالجة ارتفاع الأسعار أكثر صعوبة.
قالت سارة هاوس، كبيرة الاقتصاديين في ويلز فارجو، "سيكون من الصعب أن نقول إن التضخم تحت السيطرة إذا كانت تكاليف المساكن مستمرة في الارتفاع". كما تتوقع أن يستمر تضخم الإيجارات المرتفع حتى نهاية العام على الأقل، وعلى الرغم من بعض الاعتدال المعوض في السلع والخدمات الأخرى، "فإن ذلك سيعقد المهمة التي تنتظر الاحتياطي الفيدرالي".
يولي كبار المسؤولين اهتماما وثيقا بالتضخم المرتبط بالإسكان، نظرا إلى كونه مكونا مهما للتضخم العام.
حسب بعض التقديرات، تشكل تكاليف المساكن نحو ثلث مؤشر أسعار المستهلك، الذي ارتفع في حزيران (يونيو) بوتيرة سنوية قدرها 9.1 في المائة، وفقا لمكتب إحصاءات العمل، في أسرع زيادة من هذا القبيل منذ تشرين الثاني (نوفمبر) 1981. أما في المقياس "الأساسي"، الذي يستبعد السلع المتقلبة مثل الغذاء والطاقة، فإنها تشكل أكثر من 40 في المائة.
مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ارتفعت الإيجارات 5.8 في المائة بعد أكبر قفزة شهرية منذ 1986 بلغت 0.8 في المائة. وارتفع مكافئ إيجار المالكين، وهو مقياس للتكلفة المقدرة لعقارات الملاك لو تم تأجيرها، 0.7 في المائة. إجمالا، ارتفعت تكاليف المساكن 5.6 في المائة خلال الأشهر الـ12 الماضية، وهي أعلى نسبة منذ 1991.
التسارع الأكبر من المتوقع أعاد ضبط التوقعات حول مدى سرعة اعتدال التضخم الكلي هذا العام ومدى قرب تشديد السياسة النقدية أكثر. قال الاحتياطي الفيدرالي إنه بحاجة إلى رؤية تباطؤ واضح في بيانات التضخم الشهرية قبل أن يبطئ بشكل كبير وتيرة رفع أسعار الفائدة.
تتوقف توقعات تضخم الإيجارات في جزء كبير منها على مسار أسعار المساكن، التي ارتفعت خلال الجائحة حيث أعاد الناس تنظيم حياتهم في عصر جديد من العمل من المنزل، وبحثوا عن أماكن أقل كثافة، واستفادوا من معدلات الرهن العقاري المنخفضة للغاية. لجأ مزيد من المشترين المحتملين إلى خيارات الإيجار لأن ارتفاع الأسعار حال دون دخولهم السوق.
الآن يخرج المشترون لسبب مختلف. بدأت أسعار المساكن في الاعتدال بعد أن سجلت رقما قياسيا آخر في حزيران (يونيو)، وفقا للبيانات الصادرة عن الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين. لكن تكلفة تمويل هذا الشراء من خلال الاقتراض ارتفعت ارتفاعا كبيرا بسبب رفع الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة.
وفقا لموقع Realtor.com، اتسعت الفجوة بين تكاليف ملكية المنازل الأولية الشهرية والإيجارات نحو 25 نقطة مئوية، أو ما يقرب 500 دولار. في حزيران (يونيو) وحده، أفادت الرابطة الوطنية للوسطاء العقاريين بأن مبيعات المنازل المملوكة سابقا انخفضت 5.4 في المائة، أو 14 في المائة عن العام السابق.
قال داريل فيروذر، كبير الاقتصاديين في شركة ريدفين، "الأشخاص الذين خرجوا من سوق العقارات المعروضة للبيع يتجهون بشكل متزايد إلى سوق الإيجارات وهذا يؤدي أيضا إلى زيادة الطلب".
إلى جانب حقيقة أن أسعار الإيجارات تتبع تغيرات أسعار المنازل بتقريبا 18 شهرا، قالت كاثي بوستانسيك، كبيرة الاقتصاديين الأمريكيين في شركة أكسفورد إيكونوميكس، إن تضخم الإيجارات قد لا يهدأ حتى الربع الثاني من 2023.
رفع اقتصاديون، مثل رايان وانج من مصرف إتش إس بي سي، توقعاتهم بتجاوز تضخم الإيجارات على أساس سنوي 7 في المائة بحلول أوائل العام المقبل.
قال، "يتم الاتفاق على عقود إيجار جديدة بمستويات إيجارات أعلى بكثير من قبل، وهذا يؤدي إلى زيادات في العالم العام للإيجارات كما تم قياسه في مؤشر أسعار المستهلك".
نظرا إلى الطريقة التي يحسب بها مكتب احصاءات العمل بيانات الإيجار، يمكن أن تستغرق تأثيرات التضخم الأوسع وقتا لتظهر في الأرقام الرسمية. يعتقد مايكل بوند، رئيس الأبحاث العالمية المرتبطة بالتضخم في باركليز، أن التأخر يمكن أن يراوح بين ستة وتسعة أشهر.
في شباط (فبراير)، قدر باحثون في فرع الاحتياطي الفيدرالي في سان فرانسيسكو أن اتجاهات سوق الإيجارات الحالية ستزيد تضخم مؤشر أسعار المستهلك الإجمالي 1.1 نقطة مئوية إضافية في كل من 2022 و2023، أو 0.5 نقطة مئوية في مقياس التضخم المفضل لدى البنك المركزي، وهو مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي. حتى الآن، صمدت هذه التوقعات.
ما يمكن أن يساعد على تخفيف بعض هذه الضغوط هو زيادة معروض المساكن، الأمر الذي تعطيه إدارة بايدن الأولوية. لكن الاقتصاديين وخبراء الإسكان يقولون إن هذه الجهود ليس لها أثر كبير في تخفيف حدة المشكلة الحالية.
قالت دانوشكا ناناياكارا سكيلينجتون من الرابطة الوطنية لبناة المنازل، "ليس لدينا مساكن كافية، حتى لو كنت تبني أكثر من نصف مليون وحدة. تكاليف المواد المرتفعة أماما البناة تمرر أيضا إلى المستأجرين، حسبما أضافت.
السماسرة والمستثمرون العقاريون أكثر حذرا من الركود، الذي يتوقعه الاقتصاديون العام المقبل، حيث يتابع الاحتياطي الفيدرالي التزامه "غير المشروط" باستعادة استقرار الأسعار. بالنسبة إلى توم بورسيلي، الخبير الاقتصادي في شركة آر بي سي كابيتال ماركتس، من المحتمل بالفعل أن يكون الإسكان "في بداية ركود".
أضاف فيروذر من ريدفين، "تنتظرنا فترة من ركود النمو الاقتصادي بسبب الزيادات في أسعار الفائدة من الاحتياطي الفيدرالي".
سيؤدي ذلك إلى انخفاض نمو الأسعار لكل شيء تقريبا، بما في ذلك الإيجار. لكن الأمر سيستغرق بعض الوقت حتى ينتشر".