المركزي الأوروبي يتخلى عن السياسة التي كتفته
لم يكن البنك المركزي الأوروبي قادرا على الاستجابة للتضخم المرتفع من خلال رفع أسعار الفائدة في وقت مبكر كما كان كثير من صانعي السياسية يرغبون بسبب التزامه بالتوجيهات المسبقة التي تخلى عنها الآن بعد تسعة أعوام، وفقا لأشخاص مطلعين على القرار.
فاجأ البنك المركزي الأوروبي كثيرا من الاقتصاديين عند رفعه أسعار الفائدة للمرة الأولى منذ أكثر من عقد بمقدار نصف نقطة مئوية الخميس، على الرغم من توجيهه حتى وقت قريب بأنه يعتزم التحرك بنصف ذلك الحجم فقط.
أخبر عضوان من مجلس إدارة البنك "فاينانشال تايمز" أنهما يعتقدان أن البنك كان سيرفع أسعار الفائدة قبل شهر على الأقل إن لم يكن ملتزما بتوجيه عدم رفع أسعار الفائدة حتى يتوقف عن شراء مزيد من السندات في أوائل تموز (يوليو).
قال أحد المسؤولين عن تحديد أسعار الفائدة في المركزي الأوروبي، "رغب عدد معقول من الأشخاص في مجلس الإدارة في رفع يبلغ 25 نقطة أساس في حزيران (يونيو). لكن تقيدنا بالتوجيه المسبق لم يكن مفيدا في هذا الصدد". قال عضو آخر إن منافع الزيادة في حزيران (يونيو) تضاءلت أمام "خسارة المصداقية" التي كانت ستنتج عن خرق توجيهاته بشأن توقيت انتهاء عمليات شراء الأصول، مضيفا، "لقد كتفتنا تلك التوجيهات".
تؤكد وجهات النظر هذه كيف تكافح البنوك المركزية لتوفير توجيهات موثوقة بشأن خطط سياستها النقدية بعد أن حوصرت بالارتفاع السريع في التضخم إلى أعلى مستوياته منذ 40 عاما. إضافة إلى ذلك، يتصارع المركزي الأوروبي مع أزمة الطاقة الأوروبية وعدم الاستقرار السياسي في إيطاليا.
قال سبايروس أندريوبولوس، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في المصرف الفرنسي بي إن بي باريبا، "التوجيهات المسبقة غير مرحب بها بعد الآن. لقد ظلوا يتفاجؤون بالبيانات، ما أثر في مصداقيتهم".
من جانبه، قال متحدث باسم المركزي الأوروبي إن اجتماع مجلس الإدارة في حزيران (يونيو) في أمستردام قدم دعما "جماعيا" لعدم تغيير أسعار الفائدة والقول إنه يعتزم زيادة 25 نقطة أساس في تموز (يوليو)، مع احتمال حدوث تحرك أكبر في أيلول (سبتمبر).
قالت كريستين لاجارد رئيسة البنك المركزي الأوروبي، الخميس إن البنك تخلى عن توجيهاته السابقة بشأن حجم ارتفاع أسعار الفائدة في المستقبل بعد أن "أعطى الأولوية" للخروج من أسعار الفائدة السالبة وإنه الآن ينتقل إلى نهج "كل اجتماع على حدة" لتحديد تكاليف الاقتراض.
"إننا أكثر مرونة، من ناحية أننا لا نقدم توجيهات مسبقة من أي نوع. من الآن فصاعدا سنتخذ قراراتنا المتعلقة بالسياسة النقدية على أساس يعتمد على البيانات، سنعمل شهرا بشهر وخطوة بخطوة".
كان قرار التخلي عن التوجيهات المسبقة بشأن أسعار الفائدة، الذي كان جزءا مهما من مجموعة أدوات السياسة منذ أن قدمها ماريو دراجي الرئيس السابق للبنك المركزي الأوروبي في 2013، موضع ترحيب على نطاق واسع من المحللين - حتى لو كان بعض لا يزال غاضبا بسبب خرق البنك المركزي لآخر التزاماته المعلنة.
قال ماركو فالي، كبير الاقتصاديين الأوروبيين في مصرف يونكريديتو الإيطالي، "عدم وجود توجيه أفضل من وجود توجيه سيئ. من المحتمل أن يؤدي ذلك إلى زيادة التقلبات في توقعات رفع أسعار الفائدة حيث تحاول الأسواق فهم وظيفة رد فعل البنك المركزي الأوروبي في وقت يتسم بالتضخم المرتفع المدفوع بالعرض والضعف الكبير للنشاط الاقتصادي".
المركزي الأوروبي هو آخر بنك مركزي يشكك في قيمة تقديم التوجيهات. تخلى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي الشهر الماضي عن خططه لرفع سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة فقط قبل أيام من إعلان أول زيادة تبلغ 0.75 نقطة مئوية منذ 1994 بعد ارتفاع التضخم أكثر مما كان يتوقعه.
قال جاي باول رئيس الاحتياطي الفيدرالي، بعد القرار إنه من "غير المعتاد جدا" أن تكون البيانات الرئيسة "قريبة جدا" من اجتماع تحديد سعر الفائدة، مضيفا، "أود أن أعتقد أنه، رغم ذلك، لا تزال توجيهاتنا تتسم بالمصداقية".
فاجأ بنك إنجلترا المستثمرين العام الماضي بعدم رفع أسعار الفائدة عندما كان من المتوقع على نطاق واسع التحرك في تشرين الثاني (نوفمبر) ثم رفعها عندما كان ذلك غير متوقع في كانون الأول (ديسمبر).
قال هوو بيل، كبير الاقتصاديين في بنك إنجلترا، في وقت سابق من هذا الشهر إنه سيكون من "غير المفيد" تقديم مزيد من التوجيهات بشأن أسعار الفائدة في حين تنقسم الآراء بين صانعي السياسة. لكن بعد بضعة أيام، قال أندرو بايلي، محافظ بنك إنجلترا، إن أول زيادة في سعر الفائدة بمقدار نصف نقطة منذ 1995 "ستكون من بين الخيارات المطروحة على الطاولة عندما نجتمع في المرة المقبلة" في أوائل آب (أغسطس).
قال مسؤولو البنك المركزي الأوروبي إن التوجيهات المسبقة كانت مفيدة للغاية للإشارة إلى أن أسعار الفائدة ستبقى منخفضة لفترة أطول بمجرد أن يخفضها إلى ما دون الصفر، وإن البنك يشتري كميات هائلة من السندات. "نحن بصدد الابتعاد عن هذا العالم الآن"، حسبما قال أحد المسؤولين.
مع ذلك، قدمت لاجارد بعض التوجيهات بشأن الاتجاه المستقبلي لأسعار الفائدة الخميس، مشيرة إلى مزيد من الارتفاعات في المستقبل. قالت، "في اجتماعاتنا المقبلة، سيكون من المناسب تطبيع أسعار الفائدة أكثر"، مضيفة أن البنك المركزي يهدف إلى "رفع أسعار الفائدة بشكل تدريجي إلى وضع محايد بشكل عام. هذا ما نريد أن نصل إليه".
رفضت لاجارد تقدير معدل الفائدة المحايد - المستوى الأمثل حيث لا يكون الاقتصاد محموما ولا مقيدا - لكن أعضاء المجلس الآخرين وضعوه بين 1 و2 في المائة، ما يعني أن سعر الفائدة على الودائع لا يزال أمامه مسافة للانتقال من الصفر الآن.
أيضا تخلت رئيسة المركزي الأوروبي عن كلمة "تدريجيا" في وصف خططها لرفع أسعار الفائدة. استخدمت الكلمة مرة واحدة فقط في المؤتمر الصحافي الخميس - لوصف نمو الأجور - مقارنة بسبع مرات في حزيران (يونيو).
انتقد أعضاء المجلس مفهوم التدرج في حزيران (يونيو)، عندما قال بعض إنه "قد يكون مضللا إذا تم تفسيره على أنه يعني ضمنا وتيرة بطيئة جدا أو جامدة للغاية في تعديل موقف السياسة النقدية"، وفقا لمحضر اجتماع الشهر الماضي.
أشار فريدريك دوكروزيت، رئيس أبحاث الاقتصاد الكلي في شركة بكتيت ويلث مانجمينت، إلى نشر البنك المركزي الأوروبي توقعات أسعار الفائدة لأعضاء مجلسة خلال العامين المقبلين. هذا مشابه للطريقة التي ينشر بها الاحتياطي الفيدرالي متوسط توقعات أسعار الفائدة لمسؤوليه كل ربع عام.
قال دوكروزيت، "يتعين على البنك المركزي الأوروبي التوصل إلى طريقة جديدة للإشارة إلى نيته في السوق. وإلا فإنه سيضيف درجة من الصعوبة في توقع ما سيفعله في الاجتماعات المقبلة".