أسواق الإسكان المزدهرة مهددة بالانهيار بعد طفرة استمرت عامين
مزيج من التقييمات المرتفعة وارتفاع تكاليف الرهن العقاري يهدد بخفض أسعار المنازل في كثير من الاقتصادات المتقدمة، الأمر الذي ينهي طفرة استمرت عامين في نمو الأسعار على خلفية انخفاض أسعار الفائدة إلى مستويات غير مسبوقة.
بعد تخفيف العبء على مالكي المنازل في بداية الجائحة، يعمل محافظو البنوك المركزية الآن على تشديد السياسة النقدية بوتيرة سريعة للتعامل مع التضخم المرتفع بينما يبدو الركود العالمي مرجحا بشكل متزايد - ما يعرض الأسواق لانهيار محتمل. على الرغم من أن الخبراء يعتقدون أن النمو العالمي في أسعار المساكن من المرجح أن يتباطأ، إلا أنهم يحذرون من أن بعض الدول ستعاني انخفاضات مباشرة مع قيام بنوكها المركزية برفع أسعار الفائدة بشكل كبير.
في نيوزيلندا، تراجعت الأسعار بالفعل وتظهر بعض المؤشرات، مثل الموافقات والطلبات على الرهن العقاري، أن النشاط في الولايات المتحدة بدأ يتعثر.
قال مارك هاريس، الرئيس التنفيذي في "إس بي إف برايفت كلاينت"، شركة وساطة بريطانية في مجال الرهن العقاري، "خلال الشهر الماضي، كان هناك بلا شك تباطؤ في نشاط الشراء في المملكة المتحدة. هذا التباطؤ يرجع إلى ارتفاع أسعار الفائدة، بل أيضا بسبب المخاوف الاقتصادية الأوسع، أزمة الطاقة، والتضخم، وتكلفة المعيشة بشكل عام".
خطر انخفاض الأسعار حاد بشكل خاص في الاقتصادات الأخرى الناطقة باللغة الإنجليزية مثل الولايات المتحدة وكندا وأستراليا، وكذلك دول الشمال مثل السويد، وفقا لفيكي ريدوود، كبيرة المستشارين في "كابيتال إيكونوميكس".
قالت ريدوود، "إذا تبين أن التضخم يمثل مشكلة أكبر، مع ارتفاع أسعار الفائدة في جميع الدول إلى مستويات أعلى كثيرا مما هو متوقع حاليا، فقد يتسبب ذلك في انخفاض أسعار المنازل على نطاق واسع". إنها تتوقع بالفعل انخفاض الأسعار 20 في المائة في كندا ونيوزيلندا، و15 في المائة في أستراليا، و10 في المائة في السويد، بينما قد تنخفض قيمة المنازل بنسبة تراوح بين 5 و10 في المائة في المملكة المتحدة والولايات المتحدة.
قال كثير من الخبراء الاقتصاديين إن الأسواق التي لديها مستوى عال من ملكية المنازل واستخدام الرهون العقارية ذات أسعار الفائدة القابلة للتعديل كانت الأكثر عرضة لانخفاض الأسعار.
قال ستيفانو بيكا، الخبير الاقتصادي الذي كتب عن هيكل أسواق الرهن العقاري الوطنية، "كلما ارتفعت هاتان النسبتان، تكون هناك زيادات أكبر في أسعار الفائدة. سيكون هناك ضربة موجهة إلى الطلب العام، نظرا إلى أن المقترضين العقاريين المعرضين لزيادة أسعار الفائدة يستهلكون أقل. وسيؤدي ذلك إلى انخفاض أسعار المساكن في نهاية المطاف".
البيع القسري أمر محتمل في الأسواق التي تخضع فيها نسبة كبيرة من الرهون العقارية لأسعار فائدة متغيرة. قالت باربرا ريزموندو، نائبة الرئيس الأولى في وكالة موديز للتصنيف الائتماني، "إذا بدأت الأسر تكافح مع ارتفاع تكاليف الرهن العقاري، حينها يمكننا أن نشهد بعض المديونيات وحالات التخلف عن السداد وعمليات البيع القسري".
الرهون العقارية ذات أسعار الفائدة القابلة للتعديل ليست هي مصدر القلق الوحيد. بعض تلك الأسواق التي ينظر إليها على أنها عرضة لانخفاض الأسعار لديها مستويات منخفضة من الرهون العقارية ذات أسعار الفائدة المتغيرة، أقل من 50 في المائة، لكن نسبة كبيرة من المقترضين الذين هم على استعداد لتجديد عقودهم ذات سعر الفائدة الثابت في المدى القريب.
من المرجح أن تكون تلك العقود الجديدة بأسعار فائدة أعلى، ما لم ينخفض التضخم بسرعة وتتراجع البنوك المركزية عن تشديدها النقدي. قالت ريدوود، "في كثير من الحالات، بما في ذلك في المملكة المتحدة ونيوزيلندا، يكون متوسط مدة الرهن العقاري الثابت قصيرا نسبيا، في أقل من عامين".
على عكس المملكة المتحدة والولايات المتحدة، لم تشهد كثير من الاقتصادات المتقدمة الأصغر إصلاحات كبيرة في أسواق الإسكان بعد 2008، ما ترك الأسعار تزيد بشكل مطرد خلال معظم الـ20 عاما الماضية.
ثم جاءت الجائحة. أسعار الفائدة المتدنية والسياسات الأخرى لزيادة أسعار المنازل، إلى جانب البحث عن منازل أكبر حيث أجبرت الأزمة الصحية العالمية الناس على قضاء مزيد من الوقت في منازلهم، أدت إلى زيادة حجم السوق. وفقا لمؤشر أسعار المنازل الحقيقية لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، بين نهاية 2019 والربع الثالث من 2021، زادت قيمة المساكن أكثر من 30 في المائة في نيوزيلندا، مع تسجيل أستراليا وكندا والولايات المتحدة زيادات نحو 20 في المائة.
مع ارتفاع الأسعار بالفعل إلى مستويات عالية بالنسبة إلى الدخل، قد تؤدي أسعار الفائدة المرتفعة إلى خفض الطلب لأن تكلفة الحصول على قرض عقاري تمنع المشترين المحتملين.
أسعار الفائدة الثابتة لمدة خمسة أعوام في كندا تجاوزت بالفعل 5 في المائة - ارتفاعا من 1.9 في المائة في كانون الثاني (يناير) 2021 - قبل إعلان بنك كندا هذا الأسبوع أنه رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس.
قال فيل سوبر، الرئيس التنفيذي لشركة رويال لي باج الكندية للوساطة العقارية، إن أسعار الفائدة المرتفعة تحدث فرقا بالتأكيد. قال، في إشارة إلى حجم مدفوعات قروض الرهن العقاري، "لا يشتري الناس في كندا منازل بناء على السعر المعلن، بل يشترون بناء على تكلفة الاحتفاظ. عندما ترتفع هذه التكاليف، فإنها تدفع الناس إلى الخروج من السوق". مع ذلك، أضاف أن قلة المعروض يمكن أن تنقذ السوق من الانخفاضات المباشرة في الأسعار.
الركود العالمي، الذي يعتقد الاقتصاديون أنه سيناريو محتمل بشكل متزايد خلال فصل الشتاء، من شأنه أن يؤدي إلى مزيد من الألم في سوق الإسكان. الخطر الأكبر هو أن التباطؤ يؤدي إلى مشكلات في أسواق العمل. "لكي نرى انخفاضا كبيرا في أسعار المساكن يجب أن تحدث موجة من البطالة (...) الأمر الذي يجبر الناس على البيع"، كما قال إينيس ماكفي، كبير الخبراء الاقتصاديين في "أكسفورد إيكونوميكس"، وهي مجموعة بحثية.
بدأت الأسواق تحديد الأسعار في ظل الخطر المتزايدة لحدوث ركود عالمي. تم تسجيل انخفاضات واسعة في مجموعة من أسواق السلع الأساسية حيث يراهن المستثمرون على أن تكاليف الاقتراض المرتفعة ستبدأ في التأثير بشكل كبير في الطلب.
الجانب الإيجابي هو صحة النظام المالي النسبية. لا يزال المحللون واثقين من أن النظام المصرفي في الاقتصادات المتقدمة لا يزال قادرا على الصمود في وجه أي انخفاض كبير في تقييمات المساكن، بعد أن قام بتكوين احتياطيات رأسمالية أقوى في أعقاب الأزمة المالية في 2008.
تظهر الأبحاث التي أجرتها وكالة موديز أنه "حتى في حالة حدوث انخفاض طفيف أو أكثر وضوحا في أسعار المنازل، لا توجد مخاطر كبيرة على الميزانيات العمومية للمؤسسات المالية الكبرى"، كما قالت ريزموندو.