عمليات بيع السندات تهدد الاقتصادات الناشئة بتعثر أكبر في سداد ديونها

عمليات بيع السندات تهدد الاقتصادات الناشئة بتعثر أكبر في سداد ديونها

أدى تخلف سريلانكا عن سداد ديونها والانهيار السياسي الداخلي الذي تشهده إلى عودة المخاوف من أن تتجه دول الأسواق الناشئة الأخرى نحو مشكلات مشابهة، حيث دفع التضخم الحاد وارتفاع أسعار الفائدة الأمريكية بالمستثمرين إلى الفرار.
تضخمت عائدات السندات السيادية إلى مستويات تشير إلى زيادة كبيرة في الضغوط عبر أكثر من عشرة اقتصادات نامية، وفقا لتحليل أجرته صحيفة "فاينانشال تايمز" لبيانات من "بلومبيرج".
مع أن مستثمري الأسواق الناشئة قد اعتادوا على التقلبات، إلا أن فئة الأصول هذه تتعرض الآن لصدمات عدة أتت جميعها في وقت واحد. دفعت الاضطرابات بالمستثمرين إلى سحب ما قيمته 52 مليار دولار من سندات الأسواق الناشئة خلال هذا العام، وفقا لبيانات من مصرف جيه بي مورجان.
قال تشارلي روبرتسون، كبير الخبراء الاقتصاديين العالميين في "رينيسانس كابيتال"، "إنه لأمر صادم للغاية أن نرى انهيارا بهذا الحجم في أسعار السندات"، مضيفا أن عمليات البيع "هي واحدة من أكبر عمليات البيع التي رأيتها منذ 25 عاما".
تسببت الأزمة في أوكرانيا في ارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود، أدى إلى عواقب اجتماعية ومالية مدمرة لعديد من الدول النامية التي تعتمد على الواردات. في حين استفادت بعض الدول المصدرة للنفط من ارتفاع الأسعار، شهدت دول أخرى تلاشي مكاسبها بشكل جزئي أو كلي بسبب الاضطرابات المرتبطة بالجائحة.
كما أدت تحركات الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة في محاولة منه لترويض التضخم المرتفع إلى ارتفاع سعر صرف الدولار الأمريكي. زاد هذا من الضغط على اقتصادات الأسواق الناشئة التي يتعين عليها سداد ديونها المقومة بالدولار، في حين أن تشديد الأوضاع المالية يلحق الضرر في الدول النامية التي تعاني بالفعل نقصا في الأموال.
قال روبرتسون، "الأسواق الناشئة لا تحب أن يقوم الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة ولا تحب أن يرتفع الدولار أيضا"، مضيفا أنه "عندما يحدث ذلك، فإنها تعد أخبارا سيئة للدول التي تحتاج إلى رأس المال، فنحن لم نشهد ارتفاعا في الأسعار كما يحدث الآن منذ 30 عاما تقريبا".
وفقا لبيانات "بلومبيرج"، قفز العائد على سندات العملات الأجنبية لأجل عشرة أعوام لما لا يقل عن ست دول من الأسواق الناشئة أكثر من عشر نقاط مئوية منذ بداية العام، من ضمن هذه الدول أوكرانيا والأرجنتين وباكستان.
على الرغم من أن السندات في كثير من الدول يتم تداولها عند مستويات متدنية تشير عادة إلى احتمالية عالية للتخلف عن السداد، إلا أن المحللين يشيرون إلى أن المدفوعات الفعلية وإعادة الهيكلة من المرجح أن تكون أكثر عزلة. كثير من الاقتصادات الناشئة الكبرى تمر بوضع مالي ونقدي أفضل اليوم مما كانت عليه خلال الأزمات السابقة، ما يجعلها أكثر قدرة على تحمل الصدمات المتتالية في الفترة الحالية.
قال ويليام جاكسون، كبير اقتصاديي الأسواق الناشئة في "كابيتال إيكونوميكس"، مشيرا إلى الأسواق الناشئة الأقل نموا، "هناك ضغوط مالية كبيرة، ولا سيما في الأسواق الحدودية. لكن فيما يتعلق باحتمالية التخلف عن السداد، عليك أن تنظر إلى الدول كل على حدة".
فيما قالت إستر لو، كبيرة مديري الاستثمار لديون الأسواق الناشئة في "أموندي"، إن الضغط في أسواق السندات لم يكن إشارة على التخلف الوشيك عن السداد بقدر ما كان إشارة إلى القلق بشأن الركود والتضخم في الولايات المتحدة، وتباطؤ النمو في الصين والاضطرابات والنقص الناجمين عن الأزمة في أوكرانيا.
قالت، "هذا مجرد شعور أكثر من كونه خوفا من تخلف الدول عن السداد. لكن إذا طال أمده، من الواضح أنه سيزيد من تكاليف التمويل بالنسبة إلى تلك الدول وسينعكس على قدرتها على السداد".
الأسواق الناشئة التي ترزح تحت الضغوط
أوكرانيا
أدت العملية العسكرية الروسية في أوكرانيا إلى ارتفاع عائدات سندات كييف مع هروب المستثمرين من ديون الدولة التي مزقتها الحرب. على الرغم من ذلك، قال صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي إنه يتوقع أن تواصل أوكرانيا سداد ديونها وأن من شأن التمويل الإضافي الذي تحصل عليه أن يساعد البلاد على الاستمرار دون الحاجة إلى إصدار مزيد من السندات.
السلفادور
أدى رهان السلفادور بملايين الدولارات على البيتكوين إلى نتائج عكسية حيث انخفضت قيمة العملة المشفرة إلى النصف حتى الآن هذا العام، الأمر الذي تسبب بتفاقم الوضع الاقتصادي للبلد الواقع في أمريكا اللاتينية. ارتفع عائد سندات السلفادور لأجل عشرة أعوام أكثر من 18 نقطة مئوية حتى الآن هذا العام مع تخلص المستثمرين منها.
قال محللون في وكالة فيتش، "اعتماد البيتكوين كعملة قانونية أدى إلى زيادة عدم اليقين بشأن إمكانية وجود برنامج لصندوق النقد الدولي من شأنه أن يفتح التمويل لـ2022- 2023".
لدى السلفادور سندات بقيمة 800 مليون دولار من المقرر استحقاقها في كانون الثاني (يناير)، مع قلق المحللين أيضا بشأن قدرتها على السداد.
سريلانكا
غرقت سريلانكا في الفوضى السياسية والاقتصادية وتخلفت عن سداد ديونها في أيار (مايو). تمكن رئيسها من الفرار من البلاد الأسبوع الماضي، تاركا وراءه ملايين الأشخاص الذين يكافحون في سبيل الحصول على الغذاء والوقود، وألقى أيضا بمحادثات إعادة هيكلة ديون البلاد مع الدائنين في حالة فوضى عارمة.
لدى سريلانكا ديون مكدسة قيمتها 51 مليار دولار، نصفها يعود إلى دائنين ثنائيين بما في ذلك الصين وما تبقى يعود إلى شركات إدارة الأصول بما فيها شركة بيمكو.
تحتاج هذه الدولة الآسيوية إلى تشكيل حكومة جديدة لتأمين التمويل من صندوق النقد الدولي، الأمر الذي سيمكنها من دفع محادثات إعادة الهيكلة مع الدائنين. قال أحد حاملي السندات: "لقد عدنا من حيث بدأنا".
الأرجنتين
الأرجنتين ليست غريبة عن التخلف عن سداد الديون. خضعت لعملية إعادة هيكلة في 2020 واتفقت على صفقة مع صندوق النقد الدولي في وقت سابق من هذا العام، لتساعدها على تجنب الوقوع في انهيار آخر. يتم تداول سنداتها لأجل عشرة أعوام في الوقت الحالي بأقل من 20 سنتا على الدولار، وهي في حالة لا تؤهلها أبدا للوفاء بالتزاماتها.
وعد وزير المالية الأرجنتيني الجديد بإعادة النظام في الوقت الذي تكافح فيه البلاد في ظل ارتفاع التضخم الصاروخي - من المقرر أن يتجاوز 75 في المائة هذا العام.
باكستان
وافقت باكستان على صفقة مع صندوق النقد الدولي الأسبوع الماضي، ما يمهد الطريق للإفراج عن مبلغ 1.2 مليار دولار من أجل مساعدة البلاد على تجنب التخلف عن السداد. أدى ارتفاع تكلفة استيراد النفط والسلع الأخرى إلى توسيع العجز التجاري لباكستان وغذى المخاوف من أنها قد تواجه مصير سريلانكا نفسه.
يؤمل من الاتفاقية التي توصلت إليها مع صندوق النقد الدولي أن تشجع المقرضين الآخرين على الاستثمار في البلاد حتى تتجنب التخلف عن السداد.
ترزح أوكرانيا تحت أكبر قدر من الإكراه، فمنذ بداية الأزمة في شباط (فبراير) كانت تتوسل إلى الحكومات الأجنبية لكي تحصل على سيولة نقدية من أجل سداد العجز المتصاعد في ميزانيتها، الذي يبلغ في الوقت الحالي تسعة مليارات دولار شهريا، ارتفاعا من خمسة مليارات دولار في المراحل الأولى من الأزمة. ارتفع العائد على سنداتها لأجل عشرة أعوام أكثر من 30 نقطة مئوية منذ بداية العام، ما يعكس مخاوف المستثمرين.
طلبت شركة نافتوغاز الحكومية للمرافق العامة من حاملي السندات الأسبوع الماضي قبول المدفوعات المتأخرة، ما أثار بدوره المخاوف من أن الحكومة ستتخلف عن مدفوعات السندات المستحقة في الأول من أيلول (سبتمبر) التي تبلغ قيمتها 1.4 مليار دولار، وفقا لـ"بلومبيرج".
قال صندوق النقد الدولي الخميس إنه يتوقع أن تواصل أوكرانيا سداد المدفوعات لديونها السيادية. قال أيضا إنه يتوقع أن تتدفق مزيد من التبرعات في الأيام المقبلة على الحساب الذي أنشأه في نيسان (أبريل) لدعم البلاد. أضاف أنه يجب أن تكون الأولوية في المدى القصير لتمويل المنح بدلا من القروض - حيث قدم الاتحاد الأوروبي مليار دولار فقط من أصل تسعة مليارات دولار تعهد بها في نيسان (أبريل) بسبب الخلافات حول تقديم الأموال في شكل منح أم قروض.
ارتفعت عوائد السندات لباكستان ومصر وغانا. توصلت باكستان الخميس إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي يمهد الطريق أمام البلاد للوصول إلى الأموال المهمة وتجنب التخلف عن السداد المحتمل.
قال روبرتسون، "أصبح صندوق النقد الدولي رجل الإطفاء للعالم. حتى الذين لا يريدونه باتوا الآن يدعونه لأنهم رأوا سريلانكا تفشل في القيام بذلك".
تشير الأسواق إلى أن مخاطر تخلف الأرجنتين عن سداد ديونها مرتفعة أيضا. ارتفع العائد على سنداتها لأجل عشرة أعوام أكثر من عشر نقاط مئوية حتى الآن هذا العام بينما انخفض سعر السند إلى أقل من 20 سنتا على الدولار.
حذرت كريستالينا جورجييفا، رئيسة صندوق النقد الدولي، هذا الأسبوع قائلة، "إن الوضع خطير بشكل متزايد بالنسبة إلى الاقتصادات التي تعاني ضائقة ديون أو التي تقترب منها، بما في ذلك 30 في المائة من دول الأسواق الناشئة و60 في المائة من الدول ذات الدخل المنخفض".

الأكثر قراءة