تحول جذري في البيئة الجغرافية - السياسية «2 من 3»
هذه "الطبقات الجغرافية ـ السياسية" تعد من صنع الإنسان، وتعكس التاريخ والمؤسسات والأفراد. وبينما قد ينطوي كل من هذه الطبقات أو التكتلات على مقاومة شديدة للتغيير، بمقدور الأفراد ـ وحكوماتهم ـ صياغة مسارهم في نهاية المطاف ليسود المنطق والمصالح الاقتصادية المتبادلة.
وفي هذا السياق، تتمثل القوة الاقتصادية الأعمق في صعود اقتصادات الأسواق الصاعدة، ولا سيما الصين. ويعد الصعود الاقتصادي للصين وغيرها من اقتصادات الأسواق الصاعدة نتيجة مباشرة لاندماجها في الاقتصاد العالمي، وتحديدا، سجلت معدلات التجارة الدولية والنمو الاقتصادي زيادة كبيرة على مدار الـ40 عاما الماضية، نظرا إلى أن العالم لم يكن مفككا. غير أن صعود القوة الاقتصادية لهذه الدول لم تصاحبه زيادة مماثلة في قوة نظامها المالي ومؤسساتها العالمية.
وأوضح مثال على ذلك هو أهمية الدولار الأمريكي في النظام النقدي والمالي الدولي. فعلماء النظام، وأنا منهم، طالما أشاروا إلى أن هيمنة الدولار الأمريكي مطلقة وطبيعية لكن تظل هشة في النهاية. فهي مطلقة لأن أي عملة دولية أخرى لا يمكنها أن تضاهي الدولار في دوره كوسيلة دفع دولية ووحدة حساب ومخزن للقيمة، وطبيعية لأنها ليست نتاج قواعد منظمة.
ورغم إلغاء قابلية تحويل الدولار إلى ذهب في 1971، لم تتراجع هيمنة الدولار، بل ازدادت بسبب تأثير مجموعة من العلاقات المتداخلة والمعززة لذاتها، فضلا عن الثقة بسندات الخزانة الأمريكية باعتبارها أدوات سائلة وآمنة. أما الهشاشة في نهاية المطاف فمردها أن حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي، وبالتالي حصة الناتج العالمي التي يمكنها رهنها بصورة آمنة من خلال أدوات الدين الرسمية، يتوقع تراجعها مع صعود اقتصادات الأسواق الصاعدة. وفي ظل انكماش حصة الولايات المتحدة من الناتج العالمي، لن يكون بمقدورها أن تظل دائما المصدر الوحيد للأصول الآمنة في العالم. وهذا ما أطلقت عليه أنا وهيلين راي اسم "معضلة تريفين الجديدة".
ولا يتسنى لأي منا وضع توقعات معقولة بشأن توقيت أو كيفية إحلال نظام متعدد الأقطاب محل الهيمنة المطلقة التي يتمتع بها الدولار في الوقت الحالي. ويعد ذلك من المشكلات الدفينة في النظام الاقتصادي الحالي. وكيفية إحداث هذا التحول يمكن أن يكون لها تأثير كبير في الاقتصاد العالمي ومستقبل تعددية الأطراف. فمن ناحية، يمكن أن ينتهي بنا الأمر إلى تكتلات منفصلة.
وسيكون ذلك بمنزلة حل لمعضلة تريفين، حيث يصبح العالم أصغر حجما لكن أقل كفاءة. من ناحية أخرى، يمكن أن يحافظ النظام الاقتصادي العالمي على تكامله، لكن دون تحديد لطبيعة التفاعلات والتنسيقات المحتملة بين عملات الاحتياطي المتعددة، بما فيها الدولار الأمريكي... يتبع.