شركات الإعلام تصك أسنانها .. المستثمرون تخلوا عنها

شركات الإعلام تصك أسنانها .. المستثمرون تخلوا عنها

قرب نهاية العام الماضي بدأ الطرح العام لشركة بزفيد وكأنه يوم الحساب بدلا من يوم الاحتفال.
لدى مجيئها إلى السوق في كانون الأول (ديسمبر) – فيما عد اختبارا لشهية المستثمرين لوسائل الإعلام الرقمية – انخفض سعر سهم شركة بزفيد بشكل كارثي. شعر الموظفون الأوائل بالغضب حين انخفضت قيمة أسهمها إلى النصف في غضون أيام، إلى نحو خمسة دولارات للسهم.
وكما تبين، كانت تلك البداية فقط. انخفض سهمها الآن إلى نحو 1.50 دولار، ليتراجع بذلك 84 في المائة عن سعر الإدراج.
أحد المتفائلين بشركة بزفيد قد يلقي باللوم على عمليات البيع في سوق الأسهم الأوسع. فعلى مدى الأشهر الستة الماضية، انخفض مؤشر إس آند بي 500 نحو 20 في المائة، في الوقت الذي رفع فيه الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة لكبح جماح التضخم المرتفع.
لكن في قطاع الإعلام، كان أقل ما يقال عن التراجع أنه كان رهيبا. مثلا، من ذروتها في تشرين الثاني (نوفمبر)، هوت شركة نتفليكس 75 في المائة تقريبا، في حين انخفضت صحيفة نيويورك تايمز 48 في المائة، وتراجعت شركة ديزني 45 في المائة، وهبطت شركة وورنر 49 في المائة، فيما خسرت شركة سبوتيفاي 60 في المائة.
تشير هذه الانخفاضات الحادة في التقييم إلى أن لدى المستثمرين مخاوف عميقة بشأن مستقبل هذه الصناعات – الصحافة، وصناعة الأفلام، والتلفزيون، والموسيقى – والشركات الكبرى التي تقودها.
يقول ريتش جرينفيلد، المحلل في شركة لايت شيد، "الآن، يشعر المستثمرون بإحباط كبير تجاه الفئة بأكملها".
الأمر الغريب، على الأقل علانية، هو أن ردود فعل الشركات على هذه المذبحة المهولة كانت صامتة إلى حد كبير حتى الآن. قاومت هذه الشركات بشكل كبير عمليات التسريح الجماعية للعاملين أو الخطوات الجذرية لخفض التكلفة.
قلصت شركة نتفليكس نحو 4 في المائة من قوتها العاملة. قال ذلك رئيسها العالمي لشؤون التلفزيون الشهر الماضي، معلنا أن الشركة "لن تجري تغييرا جذريا في أعمالها". ولدى صحيفة نيويورك تايمز حاليا أكثر من 200 وظيفة مدرجة على موقعها. لم تخفض شركة سبوتيفاي عدد العاملين، لكنها قالت إنها ستبطئ عمليات التوظيف بنسبة 25 في المائة.
من جانبها، وضعت شركة وورنر إنتاجها الأصلي على الرف في أماكن مثل شمال أوروبا والمجر، لكن من المتوقع أن تنفق 22 مليار دولار على المحتوى في 2022 ـ أكثر من العام الماضي. ولا تزال أغلب الاستوديوهات الكبرى تخطط للإنفاق على البرمجة في 2023 أكثر مما تنفق في 2022.
شركة بزفيد قالت إنها ستوافق فقط على "التعيينات الأساسية"، بينما عرضت على الصحافيين الاستحواذ على حصص أسهم مسيطرة، وأوضحت في الوقت نفسه أنها ستخفض نحو 1.7 في المائة تقريبا من موظفيها. بالمقارنة، استغنت بزفيد في 2019 عن 15 في المائة من قوتها العاملة، وفي 2020 خفضت 6 في المائة من موظفيها في الولايات المتحدة.
في الواقع، تشير هذه المجموعات إلى أنها، في مواجهة اضطراب السوق، ستستمر في الأغلب في مسار استراتيجياتها وخطط نموها، وتراهن على استمرارية أعمالها.
لكن هل يمكنها تحمل هذا؟ ففي أي مرحلة يصبح الأمر مشكلة حقيقية بالنسبة لشركة بزفيد التي يقترب سعر سهمها بشكل خطير من الصفر؟ أمام استوديوهات هوليوود التي خصصت أكثر من 140 مليار دولار للبرمجة هذا العام في وقت يتجه فيه الاقتصاد إلى الركود؟
خلال الشهر الماضي كانت هذه الأسئلة التي طرحتها على المسؤولين التنفيذيين في الصناعة. قلل دانييل إيك، الرئيس التنفيذي لشركة سبوتيفاي، من شأن تراجع سهم شركته باعتبار أن الأمر إنما هو تحد للسوق الأوسع. قال، "لا أعتقد أن السوق أدارت ظهرها لشركة سبوتيفاي على وجه التحديد". أضاف، "أعتقد أن السوق أصبحت سيئة بالنسبة لكل شيء تقريبا".
وفقا لمحام مخضرم في مجال الترفيه، الاستوديوهات التي يعمل معها ألغت في الأسابيع الأخيرة عروضا وأفلاما، لكنها التزمت الصمت نسبيا. قال، "التقشف بكامل طاقته الآن. لكنك لا تريد أن يقرأ المستهلكون أنك لن تصنع المحتوى الذي يدفعون 15 دولارا في الشهر مقابله. لذلك سيلتزمون الصمت". أضاف، "لكن عددا من العروض يتم إلغاؤها".
كان استقبال أسهم وسائل الإعلام قاسيا للغاية لدرجة أن جرينفيلد، المحلل في شركة لايت شيد، يشير إلى أن الشركات المتعثرة، مثل بزفيد، قد تنسحب من السوق العامة بالكامل وتتحول إلى شركات خاصة.
ما يبدو واضحا هو أن التجاوزات التي حدثت في عصر "ذروة التلفزيون" ليست مستدامة. جلب التحفيز النقدي والمالي بعد 2008 أموالا غير محدودة إلى هوليوود. كمستهلكين، كان لدينا أعمال تلفزيونية لمشاهدتها أكثر من أي وقت مضى، وكنا ندفع مقابلها أموالا أقل من أي وقت مضى.
الآن، سيتغير ذلك. أسعار الفائدة المرتفعة تجعل الأرباح المستقبلية لأسهم النمو أقل جاذبية نسبيا. بالتالي لم يعد نموذج شركة نتفليكس – الإنفاق بشكل كبير والتضحية بالأرباح باسم النمو – براقا وبهيجا الآن.
في النهاية، من المرجح أن تبدأ شركات وسائل الإعلام الإنفاق بشكل أقل. يقول مستشار قديم لاستوديوهات هوليوود، "يجب أن يتغير شيء ما، لأنك إذا تركت الأمر كما هو، لن يجني أحد المال".

الأكثر قراءة