هل تعيد البصمة المناعية تصميم اللقاحات؟

هل تعيد البصمة المناعية تصميم اللقاحات؟

الارتفاع في حالات دخول المستشفيات بسبب المتحور الفرعي من أوميكرون "بي إيه 5" الذي صاحبه عدم قدرة اللقاحات على منع العدوى مرة أخرى، دفع صانعي السياسات الصحية إلى إعادة التفكير في نهجهم تجاه الجرعات المعززة.
أوصى المنظمون الأمريكيون الأسبوع الماضي بتغيير تصميم اللقاحات لإنتاج معزز جديد يستهدف المتحور أوميكرون - وهو التغيير الأول في تركيبة الجرعات منذ تقديمها في أواخر 2020. البحث في البصمة المناعية ـ التعرض للفيروس عن طريق العدوى أو التطعيم يحدد مستوى حماية الفرد ـ يقود الآن الجدل حول تركيبة لقاحات كوفيد- 19.
عقب أكثر من عامين على انتشار جائحة فيروس كورونا، يقول علماء المناعة إن الناس اكتسبوا أنواعا مختلفة جدا من المناعة ضد فيروس سارس-كوف -2، اعتمادا على السلالة أو مجموعة السلالات التي تعرضوا لها - ما أدى إلى اختلافات كبيرة في النتائج المستخلصة بشأن كوفيد بين الأفراد والدول.
ما هي البصمة المناعية؟ بعد أن يتعرض شخص ما لفيروس لأول مرة، من خلال العدوى أو التطعيم، يتذكر الجهاز المناعي استجابته الأولية بطريقة تضعف عادة الاستجابة للمتحورات المستقبلية للعامل الممرض نفسه، لكنها قد تقويه أحيانا. بروتين سبايك الذي يشكل النتوءات الشوكية على سطع الفيروس، الذي يستخدمه الفيروس للارتباط بالخلايا البشرية، يلعب دورا رئيسا في ذلك.
وفقا للبروفيسورة روزماري بويتون، من جامعة إمبريال كوليدج لندن، "أول تعرض لنا لمستضد سبايك، إما من خلال العدوى وإما التطعيم، يشكل النمط اللاحق من المناعة لدينا من خلال البصمة المناعية".
لوحظ هذا النمط لأعوام كثيرة في الإنفلونزا وحمى الضنك، عندما كان يطلق عليه عادة الخطيئة الأصلية للمستضد. تظهر الدراسات الآن أنه ينطبق على سارس-كوف -2 أيضا، على الرغم من صعوبة تحديد التأثيرات، وفقا البروفيسور داني ألتمان، من جامعة إمبريال كوليدج لندن، الذي يفضل مصطلح "البصمة المناعية".
وجدت دراسة أجراها فريق جامعة إمبريال كوليدج على 700 من العاملين في مجال الرعاية الصحية في المملكة المتحدة، نشرت الشهر الماضي في مجلة "ساينس"، أن الإصابة بالمتحور أوميكرون لها تأثير ضئيل أو معدوم في تعزيز أي جزء من الجهاز المناعي - الأجسام المضادة أو الخلايا الليمفاوية "ب" أو الخلايا الليمفاوية "ت" - لدى الأشخاص الذين تعرضوا لمتحورات سارس-كوف -2 السابقة.
قال ألتمان، "أوميكرون بعيد كل البعد عن أن يكون معززا طبيعيا حميدا لمناعة اللقاح، كما كنا نعتقد، لكنه متهرب خفي بشكل خاص من الجهاز المناعي".
تم تصميم اللقاحات المستخدمة حاليا لاستهداف الفيروس الذي ظهر لأول مرة في مدينة ووهان الصينية قبل أكثر من عامين. إنها تقدم حماية عالية ضد حدة المرض ودخول المستشفى، لكن فاعليتها ضد الانتقال والعدوى الخفيفة تتضاءل بسرعة، خاصة ضد أوميكرون.
سيساعد فهم تأثير البصمة المناعية مسؤولي الصحة على تحديد اللقاحات التي يجب استخدامها في حملات التعزيز المستقبلية. قالت بويتون إن البصمة المناعية لها "آثار مهمة في تصميم اللقاح الواقي في المستقبل واستراتيجيات الجرعات".
أصيب معظم الناس في العالم الصناعي بكوفيد أو تم تطعيمهم ضده - أو كلا الأمرين. نشرت دراسة استقصائية عن العدوى في مدارس إنجلترا، أجرتها كلية لندن للصحة وطب المناطق الحارة، الأسبوع الماضي بيانات تظهر أن 99 في المائة من تلاميذ المدارس الثانوية كانت نتائجهم إيجابية لاختبار الأجسام المضادة لكوفيد من العدوى الطبيعية.
في هذه المرحلة من الجائحة، تكون الأغلبية العظمى من حالات كوفيد عبارة عن عدوى متكررة في الأشخاص الذين لا تصمد دفاعاتهم المناعية المكتسبة من اللقاحات أو العدوى السابقة ضد المتحورين الفرعيين من أوميكرون، "بي إيه "4 و"بي إيه 5".
قال زياد العلي، عالم الأوبئة السريرية في جامعة واشنطن في سانت لويس، إن هذه العدوى "الاختراقية" ليست بالضرورة خفيفة كما يعتقد كثير من الناس. حلل العلي السجلات الصحية لـ34 ألف شخص مصاب بكوفيد "عدوى اختراقية" في قاعدة بيانات إدارة المحاربين القدامى في الولايات المتحدة، التي تقدم خدمات الرعاية الصحية للجنود المتقاعدين. ارتفع الخطر التراكمي لحدوث أضرار جسيمة بالقلب والدماغ والرئتين بشكل ملحوظ مع كل إصابة متكررة.
في دراسة أخرى، وجد العلي وزملاؤه أنه في حين أن اللقاحات جيدة في الوقاية من حدة كوفيد- 19، إلا أنها كانت فاعلة 15 في المائة فقط في منع حالة كوفيد الطويل، الذي يعرف بأنه استمرار الأعراض لمدة 12 أسبوعا أو أكثر بعد التشخيص بكوفيد. قال، "يبدو أن الإصابة بكوفيد، حتى بين الأشخاص الذين تم تطعيمهم، أمر لا مفر منه تقريبا في الوقت الحاضر".
بعض مناهضي التطعيم أدخلوا البصمة المناعية في حججهم الرافضة للتطعيم، على أساس أن اللقاحات تصبح أقل فاعلية مع تطور الفيروس - وهو اعتراض يرفضه علماء المناعة بقوة.
قال ألتمان، "بينما تسلط أحدث النتائج التي توصلنا إليها الضوء على مخاوف واضحة بشأن طبيعة عدوى أوميكرون، يظل التطعيم فاعلا ضد حدة المرض. يجب تشجيع الأشخاص المؤهلين للحصول على جرعة معززة".
البروفيسور كريستيان دروستن، عالم الفيروسات الألماني البارز، قال في مقابلة مع مجلة "دير شبيجل"، إن تمديد الفترة الفاصلة بين الجرعات يمكن أن يساعد على تقليل تأثير البصمة المناعية. "أظن أن تأثير التطعيم سيتحسن، كلما زادت الفترة الفاصلة من الجرعة السابقة. لكن لم يعرف بعد كم يجب أن تكون الفترة الفاصلة بين التطعيمات في الواقع".
قالت منظمة الصحة العالمية الشهر الماضي إن الجرعات التي تركز على أوميكرون قد تكون مفيدة كمعززات لأنها ستوسع الحماية ضد المتحورات المختلفة.
في الثلاثاء الماضي، صوتت اللجنة الاستشارية لإدارة الغذاء والدواء الأمريكية بأغلبية 19 صوتا مقابل صوتين لمصلحة دمج مادة وراثية من أوميكرون في لقاحات معززة جديدة.
قال بيتر ماركس، مدير مركز تقييم وبحوث البيولوجيا التابع لإدارة الغذاء والدواء، "نحاول استخدام كل ما في وسعنا من النمذجة التنبؤية، ومن البيانات الناشئة، لمحاولة التغلب على فيروس ماكر جدا".
الخميس الماضي، أوصت إدارة الغذاء والدواء بإدراج مكون من المتحورين الفرعيين "بي إيه "4 و"بي إيه 5" في جرعة جديدة لحملات الجرعات المعززة في الخريف. لكن الهيئة لم تنصح بتغيير اللقاح الحالي للجرعات الأولى.
قدمت "موديرنا" و"فايزر/بايونتك"، الشركات الرائدة في صنع لقاحات الحمض النووي الريبوزي المرسال، بيانات معملية تظهر أن أحدث إصداراتهما، التي تستهدف أوميكرون، تنتج استجابة قوية للأجسام المضادة ضد "بي إيه "4 "وبي إيه 5". لكن بعض علماء المناعة لا يزالون غير متأكدين مما إذا كانت ستكون أكثر فاعلية من تلقي جرعة أخرى من لقاح كوفيد الأصلي.
قالت بويتون، "بسبب البصمة المناعية، أصبحت أنماط المناعة المضادة لسبايك في مختلف الناس والسكان متباينة ومعقدة وغير متوقعة. هذا يقدم حجة للمضي قدما بطريقة متأنية ومدروسة وقائمة على الأدلة".
"التحدي الذي يواجه الجيل التالي من لقاحات كوفيد هو تصميم لقاحات توسع الاستجابة المناعية للحماية من المتحورات المستقبلية المثيرة للقلق".

الأكثر قراءة