إريك جونسون .. قائد منفتح يكسب ثقة اليابانيين
عندما تولى إريك جونسون رئاسة شركة جيه إس آر الرائدة في مجال توريد أشباه الموصلات قبل ثلاثة أعوام، كان يخطط لتقسيم وقته بين موطنه الأصلي في الولايات المتحدة والمقر الرئيس للشركة في طوكيو. كان الهدف هو الاستفادة من خبرته في إدارة عملياتها في الولايات المتحدة لتنمية البصمة العالمية للمجموعة.
لكن الأعوام الثلاثة المقبلة ستغير هذه الخطط بشكل جذري.
بعد أسابيع فقط من تنصيبه وسط خلاف مع سول حظرت اليابان الصادرات إلى كوريا الجنوبية من مقاومات الضوء، وهي طبقات رقيقة من المواد المستخدمة لنقل أنماط الدوائر إلى رقائق أشباه الموصلات. تعد شركة جيه إس آر أكبر مورد عالمي للمواد، لديها نحو 40 في المائة من السوق التي من المتوقع أن تصل قيمتها إلى 14.2 مليار دولار بحلول 2029. يتنوع عملاؤها من "سامسونج" إلى "تي إس إم سي" التايوانية أكبر شركة لتصنيع الرقائق في العالم.
يقول جونسون إنه استخدم "البنية التحتية العالمية" لشركة جيه إس آر للتغلب على النزاع بين كوريا الجنوبية وطوكيو "دون أن يتعارض مع أي من مخاوف الحكومة اليابانية".
ثم في 2020 تسببت بداية الجائحة في حالة من الفوضى في سلاسل التوريد العالمية، ما أدى إلى تأخيرات في إنتاج البضائع الإلكترونية. تم حجز جونسون في طوكيو.
لكن ربما كانت أصعب المهام التي واجهته هي التعامل مع أعمال الشركة الأصلية في تصنيع المطاط الصناعي التي تركز على صناعة المطاط الصناعي للإطارات. إذ إنها توقفت عن كونها منافسة، لكنها استمرت في استهلاك الموارد اللازمة لعمليات أشباه الموصلات التي تتطلب رأسمال كبير.
يقول جونسون في المقر الرئيس لشركة جيه إس آر في وسط طوكيو: "لم نتمكن من تمويل جميع هذه الأعمال بشكل صحيح". ويحمل أمامه رقاقة كبيرة مستديرة من السيليكون ويسلط الضوء على وجهه أثناء شرحه الهندسة وراء أحدث تكنولوجيات أشباه الموصلات. يضيف في مقارنة أعمال المطاط بطيئة النمو والمحلية مع القطاعات العالمية ذات النمو الأعلى التي تشمل مواد أشباه الموصلات والأجهزة الطبية الحيوية: "لكن أيضا فيما يتعلق بالعقلية التنظيمية، يمكنك رؤية ثقافتين متباينتين. وفي مجال التركيز على الإدارة، هناك نوعان مختلفان من الأعمال التي تحدث".
التخلص من الأعمال التي تم بناء أي شركة عليها لن يكون أمرا سهلا في أي دولة. لكن إنجاز ذلك في اليابان، من قبل أجنبي وسط فوضى أشباه الموصلات التي تسببها الجائحة، لا بد أن يطرح تحديات هائلة من المقاومة المحتملة من الموظفين إلى معارضة العملاء والمساهمين.
حتى دون هذه الضغوط لم يحظ الرؤساء التنفيذيون الأجانب دائما بفترة إدارة سهلة في اليابان. تراوح الأمثلة من كارلوس غصن من شركة نيسان وهروبه المشين من المدينة في صندوق إلى بعض كبار المسؤولين التنفيذيين الأمريكيين والبريطانيين في شركة السمسرة إس إم بي سي نيكو الذين اتهموا بالتلاعب في السوق أخيرا. لكن منذ البداية قلل جونسون من أهمية فكرة كونه أجنبيا كان عاملا مؤثرا في قيادته.
يقول: "في الأغلب ما يكون هناك افتراض بأن إحضار رئيس تنفيذي ليس يابانيا لتعطيل إحدى المؤسسات. لم تكن هذه هي الحال على الإطلاق في هذا السيناريو. كنت أعمل في شركة جيه إس آر لمدة 20 عاما، وعندما بدأت الشركة عملية الانتقال بحثا عن الرئيس التنفيذي التالي، كنت جزءا من هذه العملية". درس جونسون الهندسة الكيميائية في جامعة ستانفورد وقضى المرحلة الأولى من حياته المهنية في شركة نيكون قبل الانتقال إلى "جيه إس آر" لتطوير "أعمال علوم حياة" جديدة وقيادة عملياتها في الولايات المتحدة.
يقول جونسون إنه في مواجهة المعضلة التي تحيط بقطاع المطاط، فقد كان المفتاح بالنسبة له هو اتباع نهج متسق والعمل من المشكلة إلى الحل بعقل متفتح. أولا، ركز فريقه على محاولة إعادة هيكلة الشركة واستقروا لاحقا على البحث عن مشتر "سيسمح لهم بالحصول على الاستثمار".
ركز جونسون في نهجه على عنصرين أساسيين لإنجاز أي شيء في منظمة يابانية: نيماواشي وهوني. يشير المصطلح الأول إلى عملية في الأغلب ما تكون بطيئة وشاقة، لبناء الإجماع والتعبير عن المظالم. ويعني مصطلح هوني شخصا يتحدث عن آرائه، وهي ميزة في الأغلب ما تكون نادرة في الشركات اليابانية، خاصة الشركات الكبرى التي يمكن أن تصبح سياسية للغاية ومنفصلة تسودها المنافسات الداخلية.
يقول جونسون: "يقول كثيرون مازحين معي إن تعبيري الياباني المفضل هو هوني، وهو أني أشجع الناس على إخباري طريقة تفكيرهم بالضبط وهم يثقون بي بما يكفي ليكونوا قادرين على القيام بذلك".
لكسب ثقتهم، انتقل إلى اليابان للتركيز على إعادة التنظيم. "كنت بحاجة إلى التأكد من أنني كنت على اتصال وثيق جدا بالأشخاص الذين سيتأثرون بهذا الأمر في الأغلب (...) لتكون قادرا على الوجود هناك بشكل مباشر، امنحهم إجابات منفتحة وصادقة للغاية حول كيفية توصلنا إلى هذه القرارات".
يضيف أن وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة التي تراقب عن كثب قادة الصناعة، ولا سيما في المجالات الحساسة، كانت "جزءا من النقاش"، رغم أنها "لم تقل أبدا: افعل هذا أو افعل ذلك".
كما يقول إن التعامل مع العملاء و"أصحاب المصلحة" الآخرين كان أيضا جزءا أساسيا من العملية. "لقد طرحنا المناقشة بشفافية تامة لجميع الأشخاص المهتمين بمن فيهم بعض العملاء المهمين أيضا، تعود هذه العلاقات إلى زمن بعيد ومن الواضح أن قيمة العمل تعتمد عليها، كما أن سمعتنا تعتمد على كيفية شعورهم حيال ذلك".
خاض فريق جونسون أكثر من عام من المحادثات مع عشرات الشركات المختلفة، واستقر أخيرا على شركة التكرير اليابانية إنيوس. أكملت "جيه إس آر" بيع أعمالها من المطاط الصناعي في نيسان (أبريل) بقيمة 115 مليار ين ياباني (845 مليون دولار).
يقول جونسون، رغم كثير من العوامل المؤثرة، لم تكن شركة إنيوس خيارا صعبا. "لقد كانت وفق كثير من المعايير، في المقام الأول لأنها ستوفر أفضل فرصة كي تزدهر هذه الأعمال. لقد جعلت عملاءنا أكثر راحة، وكانت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة أكثر ارتياحا لهذا السيناريو". ويضيف أنه عندما جاء القرار أخيرا، "كان هناك إجماع مسبق".
يقول: "لست يابانيا بالطبع، لكنني أقدر العملية التي تسمح للناس بالمشاركة بشفافية، وللتعبير عن أي مخاوف لديهم والأمر متروك لي لاتخاذ القرار. لكنني لم أشعر أبدا أنني مضطر لإجبار أي شخص على القيام بهذا".
تم تمكين القدرة على إجراء هذه المحادثة المفتوحة حول موضوع حساس للغاية نتيجة لدرجة عالية من الثقة بين المديرين التنفيذيين وبنية حوكمة فعالة. يقول جونسون: "من المهم أن تكون حوكمة شركة جيه إس آر تقدمية للغاية منذ البداية وهذا شيء نأخذه على محمل الجد. نتأكد أن لدينا مجلس إدارة يعمل بشكل جيد للغاية".
يتفق المحللون الذين يغطون سهم الشركة، مثل مياموتو جو من شركة إس إم بي سي نيكو، مشيرين إلى أربعة أعضاء خارجيين أقوياء ومطلعين في مجلس الإدارة، وارتفاع سعر السهم أكثر من الضعف من 1،500 ين ياباني إلى 3،500 ين ياباني منذ أن تولى جونسون إدارة الشركة.
يؤكد جونسون أن جينات "جيه إس آر" تحتوي على القدرة على "إعادة ابتكار نفسها كل عامين" مع دورة الابتكار في صناعة أشباه الموصلات، حيث يوجد ضغط شديد للاستمرار في ابتكار رقائق أصغر. يشدد على الحاجة إلى أن تكون قابلا للتكيف مع الشعور "بالراحة تجاه كونك غير مرتاح".
عندما يبدأ الحديث عن استثمارات جديدة في الحوسبة الكمية من قبل شركة جيه إس آر، يظهر المهندس الذي في داخله. يقول: "لا يوجد نموذج عمل كمي في الوقت الحالي. إذا طلب مني أحدهم تبرير هذه الاستثمارات، فلا يمكنني القيام بذلك. مثل أي دالة أسية، يمكنك أن تكون على الجزء المسطح، لكنها ستنحرف بسرعة كبيرة. يمكنك حرفيا أن تأخذ المشكلات غير القابلة للحل اليوم في مجال علوم المواد والتحسين والعثور على فرص جديدة. هذا مثال على طريقة تفكيرنا".
3 أسئلة لإريك جونسون
من بطلك في الريادة؟
عند التفكير ببطل فإن أول شخص أفكر فيه هو نيلسون مانديلا. لقد لخص النموذج المثالي القائل إن القيادة لا تتعلق بك، بل بالأشخاص الذين تخدمهم، وكان على استعداد حرفيا للتضحية بحياته من أجل هؤلاء الأشخاص. وهذا أمر بطولي حقا.
ما الذي كنت ستكونه لو لم تكن رئيسا تنفيذيا؟
الجواب العملي هو أنني كنت سأكون مهندسا. إذ إنني أستمتع بتعلم كيفية عمل الأشياء ومحاولة تحسينها، لكن إذا وسعت مخيلتي قليلا، فسأقول حارسا لمتنزه وطني. حيث إنني أستمتع حقا بالمشي لمسافات طويلة وفكرة أن أكون قادرا على العمل في البيئات الطبيعية وحمايتها فكرة رائعة جدا.
ما أول درس تعلمته في القيادة؟
الحسم مهم. لكن يجب أن يأتي في نهاية العملية بعد تمكين تدفق معلومات حقيقي ومفتوح. دائما ما يكون سماع الأخبار السارة أمرا ممتعا، لكن الأهم من ذلك بكثير هو تمكين تدفق الأخبار السيئة والنقد بحرية وبسرعة.