ألعاب الفيديو أحد أسباب الخروج من سوق العمل
أخذ الاقتصاد البريطاني الشباب في رحلة وعرة في العقود الأخيرة، لكنه ما زال قادرا على استيعاب المزيد منهم. انخفضت نسبة من هم على هامش سوق العمل ممن راوحت أعمارهم بين 18 و24 عاما - الذين لا يعملون ولا يدرسون - منذ تسعينيات القرن الماضي. وهذا ليس إنجازا سهلا بالنظر إلى الصدمات التي تسببت فيها الأزمة المالية والجائحة. مع ذلك، يعد هذا الاتجاه مثالا جيدا على أهمية التعمق أكثر فيما تشير إليه الإحصاءات. ما يبدو هنا وكأنه قصة واحدة، هو في الواقع قصتان: قصة إيجابية إلى حد كبير وأخرى مقلقة بلا ريب.
العامل الأكبر في انخفاض البطالة بين الشباب في العقود الأخيرة هو الانخفاض الحاد في عدد الأمهات الشابات اللواتي يلازمن المنزل. انخفض عدد النساء الشابات "غير النشطات اقتصاديا" لأنهن يعتنين بأسرهن 78 في المائة بين عامي 2006 و2021، وفقا لتحليل أجرته مؤسسة ريزوليوشن. وبات نموذج الأم المراهقة التي تعتاش من الإعانات الحكومية أمرا قديما إلى حد بعيد.
هناك أمران يحدثان الآن. الشابات اللاتي ينجبن الأطفال أصبحن أقل من ذي قبل، والنساء اللاتي يصبحن أمهات في سن صغيرة أصبحن الآن أكثر انخراطا في العمل. وتعد معدلات المواليد المنخفضة بين النساء الشابات اتجاها مجتمعيا أكثر شيوعا في كثير من البلدان، على الرغم من أن صانعي السياسة في المملكة المتحدة ضغطوا في هذا الاتجاه بعد تطبيقهم "استراتيجية الحمل بين المراهقات" في 1999. ونظرا لأنه من المستبعد أن تكمل الأمهات المراهقات تعليمهن، وهن أكثر احتمالا لأن ينتهي بهن الأمر في فقر، لذا فالتغير الذي حصل في هذا الاتجاه يستحق الإشادة.
بينما قد تكون معدلات التوظيف المرتفعة بين الأمهات الشابات نتيجة لعوامل مختلفة، من بينها إلى حد ما توفير رعاية أفضل للأطفال. كما أصبحت الإعانات مشروطة أكثر بعد 2008 لتشجيع مزيد من الآباء والأمهات الوحيدين على العمل، ومن ثم ستنطبق على البعض (وليس الكل) في هذه المجموعة. وتشير التقييمات حول التغيير الحاصل في تلك السياسة إلى نتائج مختلطة. فقد أصبح الآباء والأمهات الوحيدون أكثر احتمالا لينخرطوا في العمل، لكن انتهى الأمر بعديد منهم إلى العمل في وظائف منخفضة الأجر وبدوام جزئي. وجدت إحدى الدراسات الاستقصائية التي أجرتها الحكومة، أن ثلث المستجيبين الذين انخرطوا في العمل قالوا إنهم يكسبون أقل من ستة جنيهات في الساعة، على الرغم من أن الحد الأدنى للأجور كان 6.08 جنيه عند إجراء الاستطلاع. وقد تحسن الوضع المالي في الأسر التي وجد فيها الآباء والأمهات الوحيدون عملا، لكن الدراسة وجدت أن اثنين من كل خمسة آباء وأمهات وحيدين ما زالوا في حالة من "الحرمان المادي".
أما القصة الأخرى المخفية في البيانات حول بطالة الشباب فهي أكثر إثارة للقلق. ارتفعت نسبة الرجال غير النشطين "الذين لا يعملون ولا يبحثون عن عمل" بشكل مطرد من 5 في المائة في 2000 إلى 9 في المائة العام الماضي. لكن المملكة المتحدة ليست البلد الوحيد الذي شهد خروج الرجال من سوق العمل. في الولايات المتحدة ناقش الاقتصاديون عددا من التفسيرات المحتملة وكان من بينها إغراءات ألعاب الفيديو، لكن لويز ميرفي، من مؤسسة ريزوليوشن، تقول إن بيانات المملكة المتحدة تشير إلى أن السبب الرئيس وراء زيادة الخمول بين الشباب هو اعتلال الصحة، خاصة الصحة العقلية. ويظهر الاتجاه نفسه بوضوح عند الشابات أيضا، لكن ليس بالقوة نفسها.
هل أخذت الصحة العقلية تسوء حقا بين الشباب، أم أن وعيا أكبر انتشر الآن بمشكلات الصحة العقلية التي عاناها الناس لعقود لكنهم لم يكونوا مستعدين للتحدث عنها؟ يقول توني ويلسون، من معهد دراسات التوظيف، إن الرأي المجمع عليه يقول "إن السبب مرتبط بالأمرين، لكن من الواضح أن الصحة العقلية للشباب تزداد سوءا".
مساعدة هؤلاء الشباب على التعافي تتطلب دعم صحتهم العقلية وأن يصبح العلاج متاحا على نطاق أوسع. وقد تحتاج السلطات المحلية والجمعيات الخيرية إلى مزيد من الموارد كي تجدهم وتقدم لهم الدعم. وقد يحتاجون أيضا إلى مزيد من المساعدة المتخصصة كي يشقوا طريقهم إلى سوق العمل. لكن عديدا منهم ليسوا موجودين "في النظام" لأنهم لا يطالبون بالمعونات: فقط 44 في المائة من الشابات العاطلات عن العمل و32 في المائة من الشباب العاطلين عن العمل كانوا يتلقون معونات مرتبطة بالدخل في 2019. وفي حين أن هذا يوفر من أموال دافعي الضرائب على المدى القصير، إلا أنه يعني أيضا أن الوصول إليهم صعب.
في بريطانيا، يحصل الطلاب على المشورة المهنية في المدرسة (على الرغم من أن عديدا من الشباب يشكون من جودتها) وكذلك يحصلون على الدعم للبحث عن عمل إذا كانوا يعيشون على الإعانات. لكن خارج المدرسة، لا يحصلون سوى على قليل من المساعدة من الدولة. يقول ويلسون إن معظم البلدان الأوروبية الأخرى لديها خدمات توظيف عامة توسع نطاق البحث عن الوظائف والدعم الوظيفي للأشخاص الذين لا يحصلون على إعانة من الدولة.
هناك مثال يجب على المملكة المتحدة أن تحذو حذوه من خلال توفير خدمة توظيف عامة وحديثة تكون مفتوحة للجميع. حينها لن يكون الشباب هم المستفيدون الوحيدون منها، لأن الجائحة تسببت في خروج مجموعة كبيرة من كبار السن من سوق العمل أيضا. لكن بالنسبة للشباب، التعافي من بداية سيئة يصبح أمرا صعبا.
لا تستطيع بريطانيا أن تترك أحدا يسقط في تلك الهاوية. خاصة شبابها على أقل تقدير.