سماء تمطر عمالة أجنبية
قرأت الموضوع الذي طرحته "الاقتصادية" "هل السعودة عنصرية؟" والذي يأتي بعد التصريح الشهير لوزير العمل "السماء لا تمطر وظائف" وتذكرت الكاريكاتير الرائع للفنان المبدع عبد الله صايل الذي يرسم فيه لوحة تمطر السماء فيها عمالة أجنبية. لقد أوضحت البيانات الإحصائية أن العمالة الأجنبية ارتفعت بنسبة تزيد على 14 في المائة وفي سنة واحدة فقط. والغريب أن هذه الزيادة جاءت في عام 2008 وهو العام الذي عصفت فيه الأزمة المالية العالمية. مشكلة العمالة الأجنبية في المملكة هائلة جدا وقراءة مستعجلة للتقرير الذي قدمته "الاقتصادية" تجعلك تصرخ "أين المفر" وما المخرج؟ ومن أين يأتي الحل؟ من المعروف أن أصعب مشكلة تواجه التفكير هي الانغلاق ورفع شعار الحل الوحيد. حتى في تقرير الاقتصادية الذي ناقش بعمق مشكلة العمالة الأجنبية رفع عنوانه السعودة. وكانت المشكلة مشكلة سعودة أو مشكلة حلها في السعودة فقط. ثم دافع التقرير عن السعودة بحدة وأنها ليست اختراعا سعوديا وضرب أمثلة (وليته سكت) بالسودنة والتمصير والتكويت وغيرها من المصطلحات المخترعة عربيا التي تمثل اقتصادات غير نموذجية.
من المدهش أن المشكلة الأساسية يتم مناقشتها بشكل عرضي لكن المشكلة برمتها ليست اجتماعية، وإن ظهرت لها أبعاد وليست أمنية، بل هي مشكلة اقتصادية بحتة وحلها لن يأتي إلا من المدخل الاقتصادي البحت. وبالعودة إلى الكاريكاتير الذي رسم السماء تمطر عمالة أجنبية وإلى التقرير الذي وصفها بالرخيصة، نجد المشكلة التي تظهر دائما في صورة إغراق السوق بالعمالة الرخيصة. لكن الإغراق بذاته ليس معضلة بنفسه (كضغط الدم) بل لأنه يتسبب في خلخلة السوق الحرة التنافسية ويتلف بنية الاقتصاد.
أعتقد أن تصريح الوزير "أن السماء لا تمطر وظائف" يقصد أن المعروض من الوظائف محدود ويصعب على الدولة التأثير فيه - وهذه حقيقة - ولذلك لا مفر أمام المواطن السعودي (رجل كان أم امرأة) من المنافسة في سوق العمل بكل صورها. كلام رائع واقتصادي لا غبار عليه، ولكن المشكلة ليست من جانب المواطن السعودي الراغب في المنافسة، ولكن من جانب العمالة الأجنبية التي تمارس منافسة غير شريفة وغير عادلة، وذلك هو مصدر الإزعاج المستمر (عمالة تنافس بشراسة كبيرة معتمدة في ذلك على تكلفة منخفضة وهامش ربح واسع). فالمشكلة ليست مشكلة طلب من قبل الشركات وليست في ظهور سوق للتأشيرات كل ذلك عوارض للمشكلة ولا لوم على الشركة ورجل الأعمال في اختياره وتفضيله العمالة الرخيصة طالما هي متوافرة. عندما يعرض عليك سلعتان أو خدمتان متساويتان في الجودة وبسعرين مختلفين إحداهما منخفضة السعر جدا، فأيهما ستختار؟ أقول لا لوم على رجال الأعمال والحل ليس من جانبهم بأي حال. ليس هذا السلوك محصورا في الشركات، بل في المجتمع السعودي بكل شرائحه والدليل انتشار المحال التي تبيع سلعا مقلدة بأسعار زهيدة تصل إلى ريال وريالين. نحن نفضل ـ إذا تساوت الخدمات ـ السلعة الأرخص وهو سلوك اقتصادي رشيد. إذا المشكلة ليست من جانب رجال الأعمال وليست في طرف الشركات، بل هي من طرف العمالة الأجنبية نفسها، كيف؟
العمالة الأجنبية تعرض خدماتها بأسعار زهيدة داخل الاقتصاد السعودي - ويسمح لها بذلك، وهنا قلب المشكلة. هل سألت نفسك لماذا اتجهت الشركات الأمريكية واليابانية والألمانية لنقل مصانعها إلى الصين والدول الشرق آسيوية ذات العمالة الرخيصة. فعلت ذلك لأنها لا تستطيع استقدامها بالرخص نفسه في بلادها لأن هناك نظاما صارما لا يستطيع معها العامل الأجنبي القبول برواتب متدنية جدا، وهنا مكمن الحل.
لابد من أن يعيش العامل الأجنبي الظروف نفسها التي يعيشها العامل السعودي. وبمعنى اقتصادي لابد من رفع تكلفة المعيشة على العمالة الأجنبية. لا بد من إجبار ـ نظاما ـ العمالة الأجنبية أن ترفع سعر وحدة العمل (راتب شهري أو ساعة) كيف؟ هل سبق وأن زرت عمالة أجنبية وافدة في محل إقامتها. إنها ثكنات يا عزيزي أشبه بالمعسكرات التي لا يتحمل العيش فيها إلا صابر محتسب. 20 عاملا أجنبيا أو يزيدون يقطنون مبنى متهالكا في شارع منعزل جدا، وذلك لتخفيض تكلفة السكن حتى أدنى حد ومن ثم الرضى بأدنى راتب. كيف يمكن للمواطن منافسة هذا التكتل. شركات تستقدم العمالة وتقوم بإعداد مجمعات سكنية يستحيل العيش فيها بطريقة إنسانية كريمة مع عدم تذمر العمال رضا بالراتب القليل الذي تدفعه الشركة وطردا للعمالة السعودية من السوق، لأنها لن ترضى بذلك الراتب وتلك المعيشة. لا يحتاج العامل الأجنبي أن يتنقل بسيارة خاصة بل يكفيه باصات خط البلد التي تجد رزقها من عمالة ترضى بمستوى متدن من النقل العام. يعملون ما يقرب من 18 ساعة لتعويض فروقات الراتب.
كيف يمكن منافسة هذه العمالة من قبل مواطن يحتاج إلى السكن في حي يتمتع بخدمات الدولة الأساسية وفي شقة صغيرة يزيد إيجارها يوما بعد يوم متجاوزا الألف ريال شهريا في حده الأدنى. كما عليه أن يتنقل بمواصلات محترمة وأن يدفع رسوم الرخص والاستمارات ناهيك عن دفع تكاليف الوقود للسيارة والمنزل وأن يعامل بطريقة محترمة ولو كانت بسيطة، كل ذلك يتطلب منه إذا كان غير متزوج تكلفة تزيد على 2500 ريال شهريا. كيف نلوم شركة وهي ترفض مثل هذا العامل الذي سيكلفها ثلاثة آلاف ريال شهريا، إضافة إلى تكاليف التدريب وتعطيل العمل، بينما السوق ممتلئة بعمالة نصف مدربة ترضى بأقل من 700 ريال شهريا (وإن أذاك سفره).
الحل بسيط يحتاج إلى نظام اجتماعي صارم تقوم به وزارة الشؤون الاجتماعية والصحة ووزارة العمل، نظام لا يسمح تحت أي ظرف بالمعيشة تحت خط الفقر، لا يسمح بأكثر من أسرة واحدة أن تعيش في منزل واحد، لا يسمح لأعداد مهولة من العمالة في سكن متهالك. من يخالف النظام ويقوم بتوفير السكن لهذه العمالة بتلك الطريقة أو إيوائها يعاقب بمبالغ باهظة جدا لأنه عضو خطر على الاقتصاد وسلامة المجتمع.
سوق العمل في المملكة سوق ضخمة وتحتاج إلى آلاف العمال، ولا يمكن للسوق المحلية أن تغطيها لذلك نحتاج إلى العمالة الأجنبية، وهم شركاء في التنمية وليسوا أعداء لها. يجب أن يعرفوا هذا ويعملوا وفقا له. يجب عليهم أن يعيشوا بيننا وأن يسكنوا، كما تسكن الطبقة المتوسطة أو الطبقة العاملة العادية على أقل حد ويتنقلون كما نتنقل. هذا سيقود إلى حركة اقتصادية شاملة لأن توفير المساكن لهذه العمالة يحتاج إلى مشاريع وستكون ذات جدوى. يحتاج إلى وسائل نقل متطورة وستكون عندئذ ذات جدوى. سيتحول العمال الأجانب من عمالة طفيلية تأتي بالأمراض وتنقل خيراتنا إلى غيرنا إلى عمالة تسهم بقوة في توزيع عادل للدخل.