القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام «3»
على مدار العقدين الماضيين، أسهمت السياسة النقدية في تحقيق إيرادات مرتفعة من الدين من خلال خمس قنوات على الأقل. والسؤال المهم هنا الذي سيحدد مدى استدامة مسار الدين مستقبلا، هو: ما إذا كانت هذه القنوات ستواصل دورها في تحقيق إيرادات مرتفعة من الديون؟
هناك خمس قنوات لضمان استدامة مسار الدين: أولا، الحكومات قد يغريها استخدام التضخم لخفض القيمة الحقيقية للمدفوعات التي يتعين عليها سدادها. ومن الإجراءات المرتبطة بذلك تنقيد الدين - أي طباعة العملة لسداد مدفوعات الدين - الذي يؤدي إلى التضخم أيضا غير أن هذا الخيار لم يكن متاحا لدول عديدة خلال العقدين الماضيين نتيجة استقلال البنوك المركزية الذي أسهم في حماية الدين العام من خطر التضخم، وهو الأمر الذي استفاد منه المستثمرون الأجانب خصوصا، الذين يتعرضون للخسارة بمجرد التنبؤ بارتفاع التضخم من خلال تراجع قيمة العملة. هل يمكن أن يتغير ذلك؟ يتضح من تاريخ البنوك المركزية أن حالات الطوارئ الوطنية، مثل الجوائح في الأغلب ما يليها تكليف وزارات المالية بمهام البنك المركزي.
ثانيا، أشاعت البنوك المركزية حالة من عدم الاكتراث بالتضخم أكسبتها أهمية كبيرة. فقد نجحت عاما تلو الآخر في تحقيق معدلات تضخم ثابتة لم تتجاوز 2 في المائة تقريبا. واعتادت الأسر والشركات على عدم الاكتراث بتحركات الأسعار، نظرا لنجاح البنوك المركزية في إبقاء معدلات التضخم قرب المستويات المستهدفة، في ظل الأزمات المالية والدورات الانتخابية وصدمات أسعار السلع الأولية والنفط، ويعني انخفاض معدلات التضخم المتوقعة واستقرارها أن أسعار الفائدة الاسمية التي تحملتها الحكومة تراجعت هي الأخرى على غرار سعر الفائدة الحقيقي. وقد يتغير ذلك أيضا. فالطفرة التي سجلتها معدلات التضخم خلال الفترة 2021 - 2022 كانت بمنزلة صدمة لحالة عدم الاكتراث تلك. وفي الولايات المتحدة، كانت هناك بالفعل بوادر واضحة خلال صيف 2021 على أن الأسر أصبحت تتوقع ارتفاع معدلات التضخم مستقبلا. وإذا ما استمر هذا الاتجاه فسيؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الدين الحكومي، نظرا لأن المقرضين سيطالبون بالتعويض عن انخفاض قيمة عملة السداد.
ثالثا، من المنطلق نفسه عادة ما يستجيب حائزو السندات لارتفاع التضخم بالبحث عن تعويض أكبر لتغطية خطر استمرار تقلبات معدلات التضخم. وأسهم استقرار الأسعار خلال العقدين الماضيين في تعظيم إيرادات الدين الصالح للحكومات من خلال أثره في خفض معدلات التضخم وتجنب خطر تقلباتها. علاوة على ذلك تقترن التقلبات في معدلات التضخم وأسعار الفائدة الحكومية بتقلب مصروفات الفائدة التي تتحملها الخزانة العامة. وفي ظل غياب هوامش الأمان المالي اللازمة، سيزيد ذلك من احتمالات لجوء وزارات المالية إلى رفع الضرائب، ربما بشكل قد يسفر عن بعض التشوهات التي تؤدي بالتالي إلى زيادة المخاطر الكلية التي تهدد الاستثمارات في الاقتصاد... يتبع.