القدرة على تحمل ارتفاع الدين العام «2»
أسهمت الفوائض الفعلية والمتوقعة في استدامة مسار الدين العام خلال القرنين الـ19 والـ20، حيث كانت الحكومات تلجأ إلى تقييد الإنفاق العام عقب الحروب أو الكوارث الطبيعية. لكن القرن الـ21 لم يشهد سوی فوائض زهيدة أو منعدمة في جميع الاقتصادات المتقدمة تقريبا. وفي الولايات المتحدة، تشير التنبؤات إلى تسجيل عجز كبير خلال الأعوام الـ30 المقبلة على الأقل. وتبدو القدرة على رفع الضرائب أو خفض الإنفاق على الخدمات العامة محدودة في معظم الدول الأوروبية. ولا يسعنا القول: إن ارتفاع الدين العام خلال الـ20 عاما الماضية اقترن بزيادة حجم الضرائب المستقبلية أو تخفيض الإنفاق بقدر يتناسب مع حجم الدين.
نجحت الحكومات في الاقتراض من المستثمرين بأسعار أقل من تلك التي يستخدمها المستثمرون أنفسهم في خصم التدفقات المستقبلية. ويمثل هذا الخصم معدل العائد الذي يحصل عليه المستثمرون من الاستثمار في الاقتصاد الخاص. والفجوة بين العائدين تعني أن الحكومة تحصل بشكل ما على إيرادات من دیونها. بعبارة أخرى، إذا استخدمت الحكومة المبلغ المقترض في الاستثمار من خلال المساهمة في رأس المال الخاص، فإنها تحصل بذلك على إيرادات في صورة أرباح ناتجة عن هذا الاستثمار. حتى إن لم تفعل ذلك بصورة مباشرة، فإن الفجوة بين العائدين تمثل تكلفة الفرصة البديلة بالنسبة للمقرض، ومكسبا تحصل عليه الحكومة المقترضة بالتالي من خلال تجديد الدين بهذا العائد المنخفض. ويظل مسار الدين مستداما ما دام يحتفظ بقدرته الخاصة على جذب المستثمرين الباحثين عن الأمان أو السيولة أو أي مميزات أخرى يجدونها في الدين العام. وهذه الخصوصية هي التي تتيح دفع أسعار فائدة منخفضة على الدين العام.
كذلك فإن ديون بعض الحكومات أكثر خصوصية من ديون البعض الآخر، فحكومات الاقتصادات المتقدمة، ولا سيما الولايات المتحدة، يمكنها دفع فائدة أقل كثيرا مقارنة بحكومات اقتصادات الأسواق الصاعدة. وفي الدول التي نجحت بفضل قوة سمعتها ومؤسساتها في تعظيم الإيرادات الناتجة عن ديونها، أمكن الحفاظ على استدامة مسار الدين رغم ارتفاعه مقارنة بالدول الأخرى قبل الجائحة وأثناءها.
غير أن جميع الدول تشترك في ربط أسعار فائدتها بسعر الفائدة العالمي التوازني الذي يعرف أحيانا باسم "سعر الفائدة الحقيقي"، وهو السعر الذي يتساوى عنده العرض العالمي للمدخرات والطلب العالمي عليها. واستمر سعر الفائدة الحقيقي في التراجع خلال العقدين الماضيين على الأقل نتيجة عدة عوامل، منها: التحول الديموغرافي، وتزايد أعداد المسنين، وما نتج عن ذلك من رغبة مزيد من المواطنين في الادخار لمرحلة التقاعد، وتباطؤ الإنتاجية الذي نتج عنه تراجع الطلب على رأس المال، وتزايد عدم المساواة والمخاطر المالية الذي أدى إلى زيادة رغبة الأسر في الادخار وتراجع رغبة الشركات في الاستثمار.
واستفادت الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة بدرجات متفاوتة من هذه التغيرات المطولة في الحفاظ على استدامة مسار الدين، ولا يتوقع حدوث تغير مفاجئ في هذه الاتجاهات خلال الأعوام القليلة التالية حتى إن حدث، فإنه لن يؤثر في الدين الحكومي وحده. فالزيادة المفاجئة في مستويات الإنتاجية - على سبيل المثال - ستؤدي إلى ارتفاع أسعار الفائدة على الدين. لكنها ستؤدي أيضا إلى زيادة الناتج الحدي لرأس المال والإيرادات الضريبية الحكومية، ما سيجعل من الأسهل الحفاظ على استدامة مسار الدين.
كذلك تؤثر السياسة النقدية في إيرادات الدين، لكن بصورة مختلفة، فنظرا لأن حكومات عديدة تقترض في الوقت الحالي بعملاتها، تعتمد تكلفة الاقتراض العام أيضا على قيمة العملة وقت السداد. فضلا عن ذلك، عندما تقترض الدول السيادية، لا يمكن إرغامها على السداد بالقوة على عكس الأفراد والشركات، لذلك فإن الوفاء بالدين يكون له شق طوعي في هذه الحالة. وبالتالي يتعين على حائزي الدين العام تحمل نوعين من المخاطر، وهما التضخم والتعثر السيادي، ما يؤدي إلى الحد من جاذبية الدين وتراجع الإيرادات الحكومية الناتجة.