التصدي لعدم المساواة على جميع الجبهات «2»
تسهم سياسات المالية العامة في توفير فرص للفئات التي لولاها لصارت معوزة. ويشهد كثير من الاقتصادات المتقدمة والصاعدة على حد سواء فروقا شاسعة بين الأسر الأعلى والأقل دخلا في فرص الحصول على التعليم عالي الجودة والرعاية الصحية والتكنولوجيات الرقمية. وتؤدي هذه الفروق إلى انعدام المساواة بين الأطفال في بداية حياتهم.
ويمكن أن يسهم الإنفاق العام جزئيا في تعويض فجوة الإنفاق الخاص على الأطفال بين الأغنياء والفقراء والحد من أهمية خلفية الأبوين والظروف الأخرى التي تخرج عن سيطرة الفرد، ويتحقق ذلك من خلال بذل الجهود اللازمة لضمان توفير البنية التحتية العامة الأساسية، مثل المياه النظيفة والصرف الصحي، والخدمات الصحية الأساسية والاستثمارات الاجتماعية في التعليم. ومن شأن هذه السياسات زيادة الحراك الاجتماعي بين الأجيال، وكذلك دعم النمو على المدى الطويل بتسهيل بناء رأس المال البشري، ولا سيما من خلال رفع مستوى التعليم بين الأطفال في الشرائح المعوزة. ويمكن إيلاء الأولوية للإنفاق العام على الخدمات الأساسية في حالة وجود فجوات كبيرة تحول دون وصولها إلى تلك الشرائح. لكن يتعين تحديد نوع الإنفاق بدقة حسب ظروف كل بلد. فالإنفاق على التعليم العالي قد يعود بالنفع الأكبر على الأسر الأغنى.
ويمكن أن تؤثر سياسات المالية العامة أيضا في مستويات عدم المساواة من خلال إعطاء الحافز على المشاركة في سوق العمل أو تعليم الأطفال. فعلى سبيل المثال، يمكن أن يتأثر عرض العمالة ومستويات التوظيف بالمعوقات الناتجة عن ضريبة العمل، أي الفرق بين الأجر الصافي للعامل وإجمالي تكلفة العمل الكلية التي يتحملها صاحب العمل، ومعدلات ضريبة المشاركة، أي الفرق بين الدخل البديل الذي يحصل عليه العاطلون ودخله المتوقع. وينطبق ذلك خصوصا على أصحاب الدخل الثانوي. ومن شأن تطبيق الخصومات الضريبية القابلة للاسترداد لمصلحة الأسر منخفضة الدخل، والإقرار الفردي عن ضريبة الدخل، وتوفير مزيد من خدمات رعاية الأطفال منخفضة التكلفة الحد من التحيزات على أساس الجنس وتشجيع المشاركة في القوة العاملة. كذلك فإن التحويلات النقدية المشروطة، إلى جانب جهود الحد من الفقر، يمكنها إعطاء حافز على الالتحاق بالمدارس أو إجراء الفحوص الطبية بصفة منتظمة.
ويمكن لسياسات سوق العمل النشطة دعم كفاءة آليات سوق العمل، من خلال خدمات التوظيف العامة التي تساعد العاطلين في العثور على وظائف مناسبة أو برامج التدريب المهني برعاية الحكومة التي تستهدف الفئات الأكثر تهميشا في سوق العمل. وعلى جانب الطلب أسهمت برامج الاحتفاظ بالعمالة، التي تم تصميم كثير منها في الاقتصادات المتقدمة خلال الأزمة الأخيرة، في مساعدة الحكومات على الاستثمار في الحفاظ على الروابط الوظيفية. وساعد ذلك على تمهيد مسار التعافي وفي تجنب كثير من خسائر الوظائف وإخفاقات الشركات التي كانت لتؤدي إلى مزيد من عدم المساواة.
يمكن لسياسات إعادة التوزيع كبح أوجه عدم المساواة في الدخل. ويسهم مزيج الضرائب والتحويلات المباشرة في الحد من عدم المساواة في الدخل بأكثر من الثلث في الاقتصادات المتقدمة. أما في اقتصادات الأسواق الصاعدة فتتم إعادة التوزيع على نطاق أضيق كثيرا. وتمثل مستويات إعادة التوزيع الكلية 85 في المائة من عدم المساواة في الدخل المتاح بين الاقتصادات المتقدمة واقتصادات الأسواق الصاعدة والاقتصادات النامية... يتبع.