واقع صناعة الغاز في ظل انهيار الطلب العالمي عليه وزيادة الإمدادات
لقد تطرقنا في مقالة سابقة عن التحديات التي تجابه صناعة الغاز الطبيعي المسالLiquefied Natural Gas-LNG نتيجة التطور في تقنيات استغلال مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية Non-Conventional Gas بصورة اقتصادية، وبالتالي زيادة الإمدادات من هذه المصادر. هذه التطورات الكبيرة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية تطرح تساؤلات مهمة لصناعة الغاز الطبيعي بخصوص ميزان الإنتاج الكلي للغاز، حيث إن إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية ليس فقط وفر إمدادات جديدة إلى الأسواق، لكنه في الوقت نفسه أضاف تحديا جديدا إلى أسواق الغاز العالمية، التي هي في الأصل تواجه تحديات معقدة، خصوصا فيما يتعلق بالموازنة بين العرض والطلب.
في هذه المقالة سنتعرف على واقع صناعة الغاز الطبيعي في ظل انهيار الطلب العالمي على الغاز وزيادة الإمدادات وكيف ستتعامل الصناعة مع هذا الفائض.
من المتوقع أن يشهد عام 2009 فائضا في إمدادات الغاز الطبيعي. إن نشوء هذا الفائض يعد تحولا جذريا في واقع أسواق الغاز العالمية التي شهدت ندرة في الإمدادات في الفترة من أواخر عام 2006 حتى 2008، ما أدى إلى اختلال في ميزان العرض والطلب في تلك الفترة لمصلحة الطلب. ونتيجة لهذا التحول الجذري واصلت أسعار الغاز انخفاضها، في حين إن أسعار النفط الخام قد استقرت في الأسابيع الأخيرة من التعاملات بين 45 دولارا إلى 60 دولارا للبرميل. على سبيل المثال أسواق هنري هوب في أمريكا الشمالية، شهدت هبوطا في أسعار الغاز إلى ما دون عتبة أربعة دولارات لكل مليون وحدة حرارية بريطانية MMBtu. إن الفضل في دعم أسعار النفط يعود جزء كبير منه إلى دور منظمة الأقطار المصدرة للنفط (أوبك)، بينما أسواق الغاز الطبيعية تفتقر إلى التنسيق الكبير بين كبار المنتجين في هذا المجال، إضافة إلى ذلك آليات عمل أسواق الغاز وطبيعة العقود تختلف عن آليات عمل أسواق النفط العالمية.
إن صناعة الغاز الطبيعي في العالم تعاني حاليا تضافر ثلاثة عوامل رئيسة عمدت إلى اختلال في ميزان العرض والطلب العالمي على الغاز، يمكن تلخيص هذه العوامل كالتالي: انخفاض الطلب العالمي على الغاز، نمو الإمدادات من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية، خصوصا في أمريكا الشمالية، والارتفاع الكبير المتوقع في الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال، حيث إن الركود الاقتصادي العالمي الحالي قد أثر سلبا في الطلب العالمي على الغاز الذي انخفض إلى مستويات أقل من 2008. كذلك تضاعفت كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة منذ عام 2000، حيث يمثل الغاز المنتج من هذه المصادر حاليا أكثر من 40 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy. وقد لعب ارتفاع مستويات الحفر في الولايات المتحدة دورا في زيادة كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية، التي بلغت ذروتها في أيلول (سبتمبر) 2008. كذلك من المتوقع أن تشهد صناعة الغاز الطبيعي المسال توسعا كبيرا في الطاقات الإنتاجية خلال السنتين المقبلتين. جميع هذه العوامل أدت إلى نشوء فائض في إمدادات الغاز العالمية.
لتقييم حجم هذا الفائض في الإمدادات العالمية للغاز ولمواجهة التطورات المحتملة نتيجة ذلك على صناعة الغاز الطبيعي متابعة مدى استجابة إنتاج الغاز في أمريكا الشمالية لتداعيات الأزمة الاقتصادية العالمية، وكذلك مدى استمرار فترة الركود الاقتصادي الحالي في جميع الأسواق العالمية. فيما يتعلق بالعامل الأول، معرفة مدى وسرعة تأثير انخفاض نشاط الحفر والتنقيب في أمريكا الشمالية نتيجة الأزمة الاقتصادية في خفض إنتاجها من الغاز سيكون أحد أهم عوامل إعادة التوازن في العرض والطلب إلى السوق العالمية للغاز الطبيعي. أما بخصوص الركود الاقتصادي الحالي، فإن سرعة تعافي الاقتصاد العالمي ستعلب دورا مهما في تحديد موعد بدء الطلب على الغاز بالتعافي، وبالتالي تغيير مسار سوق الغاز. أما على المدى القصير فسيظل الاهتمام الرئيسي لصناعة الغاز منصبا على متابعة التطورات في الأسواق الحالية وإيجاد أسواق جديدة لاستيعاب الفائض الحالي من الغاز.
ففي الأسواق الآسيوية، التي تعد سوقا كبيرة جدا للغاز الطبيعي المسال، حيث يستورد ما مجموعه 70 في المائة من الطاقة العالمية للغاز الطبيعي المسال، سوف لم يعد بإمكانه استيعاب الطاقات الجديدة من الغاز المسال التي من المتوقع أن تكون في الأسواق قريبا، حيث إن هذه الأسواق هي في الأساس تعاني زيادة في كميات الغاز المتعاقد عليه مقارنة بمستويات الطلب المتوقعة عام 2009. نتيجة لذلك، فإن إجمالي واردات الغاز في آسيا من المتوقع أن تنخفض عام 2009 مقارنة بـ 2008. أما عام 2010، تتوقع الدراسات في هذا المجال أن يتجدد نمو الواردات في آسيا والمحيط الهادئ وذلك على افتراض انتعاش الاقتصاد في المنطقة، لكن في الوقت نفسه احتمالية التراجع في الواردات ما زالت قائمة أيضا. وكذلك هو الحال بالنسبة إلى الأسواق الأوروبية، حيث من المتوقع أن ينخفض الطلب على الغاز خلال عام 2009 عن مستوياته في السنة السابقة. نتيجة لذلك فإن السوق الأوروبية من المرجح أن تشهد وفرة في العرض، حيث إن عقود التجهيز في تزايد كل عام، وذلك لأن الدول تسعى إلى شراء مزيد من الإمدادات لتلبية الحاجة الفعلية والنمو المتوقع في الطلب. كما أن هذه الزيادة في العرض يمكن أن تكون أعلى بكثير إذا ما استمر الطلب في الانهيار.
أما في أمريكا اللاتينية، فالمكسيك تواجه انخفاضا في الطلب على الغاز نتيجة ارتفاع أسعار الغاز خلال عام 2008 ومن ثم نتيجة الركود الاقتصادي. إضافة إلى ذلك المكسيك حاليا في وضع حرج وذلك لأن وارداتها من الغاز الطبيعي المسال في تزايد بسبب زيادة الطاقة الاستيرادية فيها أخيرا نتيجة بدء العمل في اثنتين من المحطات الطرفية للغاز الطبيعي المسال. أما في البرازيل والأرجنتين فالوضع مختلف، فقد يزداد استهلاك الغاز الطبيعي المسال هذا العام، ولكن بكميات صغيرة لن يكون لها أثر يذكر في سوق الغاز العالمية.
أمريكا الشمالية هي الأخرى ستواجه انكماشا في الطلب على الغاز نتيجة الركود الاقتصادي، ولكن في الوقت نفسه هي أيضا تعاني زيادة في إمدادات الغاز الطبيعي غير التقليدي، لكن مع تراجع أسعار الغاز، أيضا تباطؤ نشاط الحفر والتنقيب بشكل ملحوظ، الذي بدوره سيؤثر سلبا في الإمدادات من هذه المصادر.
في نهاية المطاف من المتوقع أن تستعيد أسواق الغاز العالمية عافيتها عاجلا أو آجلا، ويعود التوازن في العرض والطلب إليها من خلال انتعاش الاقتصاد العالمي، ما يؤدي إلى انتعاش الطلب على الغاز من جديد على الصعيد العالمي، كما أن استمرار انخفاض عمليات الحفر في أمريكا الشمالية قد يساعد هو الآخر في هذا المجال أيضا، ولكن بدرجة أقل، حيث من المتوقع أن يؤدي هذا إلى انخفاض في إنتاج الغاز في أمريكا الشمالية، خصوصا من مصادر الغاز غير التقليدية. في غضون ذلك ستستمر أمريكا الشمالية كسوق مستديمة للغاز الطبيعي المسال.