إقصاء التضليل والتسييس
كانت الخلافات موجودة بين "أوبك" والوكالة الدولية للطاقة التي تصدر البيانات الخاصة بالبترول والطاقة بشكل عام. ولذلك كان من الطبيعي أن تقصي منظمة أوبك هذه الوكالة، علما بأنها واحدة من ست جهات توفر خدمات مماثلة لـ"أوبك +"، أي أنها ليست الوحيدة التي توفر البيانات التي يطلبها التحالف. والخلافات بين الطرفين اشتدت في الواقع في أعقاب اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية، فقد تبين أن بيانات وتوقعات الوكالة الدولية للطاقة، تصب في مصلحة طرف واحد على الساحة العالمية، بمعنى أنها صارت مسيسة ما يرفع عن هذه الوكالة صفة الحيادية المطلوبة من أي مؤسسة مشابهة بصرف النظر عن الميدان الذي تعمل فيه. كان على الوكالة الدولية أن تكون بعيدة عن أي مؤثرات خارجية، وتلتزم بمعايير عالية الجودة في مسألة تخص العالم أجمع.
قرار "أوبك +" وقف استخدام بيانات الوكالة الدولية للطاقة، جاء في سياق إعلان التحالف النفطي عن اعتماد تقرير من مؤسستي "وود ماكنزي" و"ريستاد إنرجي". وهما مؤسستان معروفتان على الساحة العالمية، وتتمتعان بسمعة عالية في مجالات خدماتهما، وهما قادرتان إلى جانب جهات أخرى معتمدة لدى "أوبك +" على توفير البيانات المطلوبة، خصوصا فيما يرتبط بتقييم امتثال دول المجموعة بحصص الإنتاج المتفق عليها، وبالمخزونات النفطية وبالاحتياطي، وبكل ما يرتبط في ساحة تبقى محورا أساسيا للاقتصاد العالمي ككل. فالحرب التي تدور بين روسيا وأوكرانيا حاليا، أظهرت مرة أخرى - ولن تكون الأخيرة - مدى أهمية البيانات النفطية، والأهم مدى حياديتها وصدقها لأنها في النهاية تبقى المادة الأولية لصناعة القرارات من قبل الجهات النفطية المحورية.
إن تقييم مستويات إنتاج الدول الأعضاء في "أوبك +"، يستند إلى دراسة السوق أولا، قبل أن يتم اتخاذ أي قرار يخص التوجهات الإنتاجية. والوكالة الدولية لم تقدم البيانات اللازمة بهذا الشأن، فضلا عن أنها وفرت معلومات سابقة في مجالات أخرى تبين أنها ليست صحيحة، ودون مستوى المعايير المطلوبة للجهة التي تتلقى خدماتها منها. يضاف إلى ذلك، أن هذه الوكالة لها وجهات نظر خاصة في ميادين التغير المناخي، بينما يقول البعض إن الحياد السياسي غائب عن هذه المؤسسة. وهذه النقطة على وجه الخصوص تتطلب حيادية بالغة وواقعية أيضا، لأنها ترتبط أساسا بمستقبل الطاقة بكل أنواعها، وشكل الإمدادات وطبيعتها، فضلا عن روابطها التنموية والبيئية الأخرى.
من حق دول تحالف "أوبك +"، وأي جهة تستخدم خدمات الوكالة الدولية للطاقة، أن تحصل على البيانات الحقيقية والتقييمات مرتفعة الجودة، وأن تكون هذه المعلومات مبنية على تحقيق الهدف الأول بل الوحيد، وهو تحقيق التوازن في سوق النفط. هذه هي المهمة الأهم لهذه الوكالة، لا أن تميل إلى هذا الجانب أو ذاك. وهناك نقطة مهمة أيضا أشار إليها عدد من أعضاء "أوبك +" وهي أن بيانات الوكالة الدولية للطاقة كانت غير صحيحة في عدة مرات. واللافت أن الوكالة أخفقت في بعض المرات في توقع نمو الطلب، وهذه نقطة محورية على صعيد الإنتاج ومواءمة العرض والطلب، والحفاظ على الأسعار الأكثر منطقية للنفط بشكل عام.
وفي كل الأحوال خطوة "أوبك +" جاءت في وقت تحتاج فيه حقا إلى تغير في مصادر التقييم والبيانات، واللجوء إلى خدمات مؤسسات أخرى أكثر حيادية، ولا تتأثر بمواقف سياسية أو تصريحات من هنا أو هناك. ويرى بعض الخبراء، أن تقارير وكالة الطاقة تغيرت بالفعل وبصورة متكررة مع التصريحات السياسية العلنية، وهو الأمر الذي يختلف تماما عن تقارير المنظمات الدولية الأخرى، ولا سيما تلك التابعة للأمم المتحدة.