دعم الطاقة يكلف أكثر من 100 مليار ريال
أدت ضخامة استهلاك المملكة من المنتجات النفطية والغاز الطبيعي والمسال وخفض مستويات أسعار الطاقة المباعة محلياً مقارنةً بالأسواق العالمية إلى ضخامة مستويات الدعم الضمني المقدم لأسعار الطاقة. ففي عام 2007م استهلكت المملكة نحو 564 مليون برميل من المنتجات النفطية التي يأتي معظمها على شكل ديزل وبنزين ونفثا ومنتجات أخرى. وتساوي أسعار هذه المنتجات محلياً جزءا من أسعارها الحرة في باقي دول العالم. فأسعار البنزين المحلية تقل عن ربع مستوياتها العالمية، وذلك عند مستويات أسعار النفط الحالية البالغة 50 دولاراً للبرميل، أما أسعار الديزل فتقل عن سدس مستويات أسعارها العالمية. وقد أدى تثبيت أسعار المنتجات النفطية عند مستويات متدنية مقارنةً بالأسعار العالمية إلى ارتفاع مستويات الدعم الضمني الكبير الذي تتلقاه هذه المنتجات. ويمكن وبسهولة الاستنتاج من مستويات الأسعار المحلية لأهم المنتجات النفطية أن أسعار المنتجات النفطية بشكل إجمالي تباع عند أقل من ربع أسعارها العالمية. وتؤدي سياسة تثبيت أسعار المنتجات النفطية عند مستويات تقل عن ربع سعرها العالمي إلى توليد دعم ضمني يزيد على 80 مليار ريال في حالة استقرار الأسعار العالمية للنفط عند 50 دولاراً للبرميل. أما الغاز الطبيعي فهو يباع في المملكة بنحو نصف دولار للمليون وحدة حرارية، كما تشير بعض المصادر. وفي حالة صحة هذا السعر، فإنه يساوي نحو سبع أسعار الغاز الطبيعي في الولايات المتحدة في الوقت الحالي. وقد استهلكت المملكة نحو 454 مليون برميل من الغاز الطبيعي في عام 2007م أو ما يزيد على 2.5 تريليون قدم مكعبة (2.5 كوادرليون وحدة حرارية تقريباً) . وهذا يعني أن مقدار الدعم عند الأسعار الحالية يتجاوز 28 مليار ريال. ولهذا من السهل الاستنتاج أن مقدار الدعم الحالي المقدم على هيئة أسعار طاقة مخفضة يتجاوز 108 مليارات ريال عند الأسعار العالمية الحالية. وقد تجاوز هذا الدعم ضعف هذا المبلغ في عام 2008م عندما حقق متوسط أسعار النفط معدلا مقاربا لـ 100 دولار للبرميل. إن هذا الدعم يعد أكبر دعم تقدمه الحكومة للمستهلكين والمنتجين، وقد يعد من أكبر برامج الدعم في جميع دول العالم. ولا يتم احتساب هذا الدعم ولا يدخل في حسابات الميزانية، لأنه يستقطع قبل تحقيق الإيرادات العامة للدولة، ولهذا لا يعار الاهتمام الكافي الذي يستحقه. ويأتي هذا الدعم الهائل على شكل إيرادات مفقودة للدولة التي يمكن أن توجه لدعم الرفاهية الاجتماعية وإيجاد فرص عمل وتنمية الموارد البشرية.
ويتناسب استهلاك الطاقة طردياً مع مستويات الدخل ولهذا يستفيد منه الأغنياء بدرجة أكبر من الفقراء. ويرى الكثير من المختصين بأن دعم الطاقة متحيز لذوي الدخول المرتفعة. فذوو الدخول المرتفعة لديهم سيارات أكثر ومنازل أكبر ووسائل راحة أكثر ولهذا يرتفع استهلاكهم من الطاقة. أما في القطاعات الإنتاجية فيتحيز دعم الطاقة للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة. وهذا يفسر هجرة بعض الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة للمناطق الغنية بالطاقة. ويتسبب تركز الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة في استنزاف موارد الطاقة وفي الإضرار بالبيئة التي تقع آثارها السيئة بدرجة أكبر على الفقراء الذين يسكنون في المناطق السكانية الأكثر تلوثاً ويعملون في الصناعات الأكثر تلويثاً للبيئة، وبهذا يتأثرون بدرجة أكبر بالتلوث البيئي من الأغنياء. ومن المفارقات استخدام شعارات مساعدة الفقراء وذوي الدخل المحدود وخفض تكاليف معيشتهم كحجة لخفض أسعار المشتقات النفطية والغاز. صحيح أن خفض أسعار الطاقة يخفض بعض الشيء من تكاليف المعيشة التي يواجهها الفقراء ولكنه يخدم في الدرجة الأولى ذوي الدخول المرتفعة والصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة. ويفوت خفض أسعار منتجات الطاقة الكثير من الإيرادات الحكومية التي كان يمكن أن تصرف على تنمية المناطق الفقيرة والحد من البطالة وعلى المساعدات الاجتماعية.
ولا يمكن لأي إنسان أن ينكر مساهمة خفض أسعار منتجات الطاقة في تعزيز مسيرة التنمية في المملكة وخفض تكاليف المعيشة والإنتاج، ولكن (يتضح من الرسم البياني( من الصعب الاستمرار في دعم مستويات النمو العالية في استهلاك الطاقة. ولهذا فعلينا وباستمرار دراسة آثار السياسات القائمة وإجراء الإصلاحات اللازمة لهذه السياسات لتعظيم العوائد الاجتماعية والحد من الآثار السلبية لها.