رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عفواً ممنوع التصوير!

لقد صاحبت الآلة المثيرة (الكاميرا) الإنسان سنوات طوال، تتجاوز 100 عام. أحياناً، يخشى منها الجبابرة والسلاطين والقادة، وقد يصد منها – حياءً - الفقراء والمساكين، وبالتأكيد يتحاشاها المجرمون والجلادون واللصوص. ولكن يعشقها الفنانون ومحبو الشهرة، ويحرص عليها أصحاب الاحتفالات والأفراح، بل يرحبون بها ويستميلونها ويتوددون إليها، حباً في الشهرة والبروز، أو طمعاً في تسجيل الذكريات الجميلة والمناسبات السعيدة. فهي ممنوعة، لا تدخل القصور والمجالس الرسمية، إلا بترخيص رسمي وموافقة مسبقة، ومحظور استخدامها في المطارات، وعلى متن بعض الطائرات، وكذلك في معظم الشوارع والحارات. لا تستغرب إذا امتدت إليها الأيدي لتكسرها وتبدد ما بها من لقطات، ولكن لا تندهش إذا حظيت بالتكريم في مناسبات أخرى!
هذه الآلة العجيبة تخيف فئات من الناس، كالمجرمين، وأصحاب المطاعم – على سبيل المثال - بل وحتى بعض المسؤولين. وتسهم الكاميرا في منع من تسول له نفسه ارتكاب جريمة سرقة أو سلب أو عنف، إذا علم بوجودها في المكان.
لسنا في مجال عرض دورها في تغيير مجرى الأحداث، وتأثيرها في تسجيل التاريخ، وإسهامها في القبض على الجناة والمجرمين، فلعله يفي بالغرض أن نتذكر كيف أقامت الدنيا تلك الصورة الشهيرة للطفل الفلسطيني محمد الدرة الذي اغتاله الرصاص الظالم، وكيف فعلت صور التعذيب والإهانات في سجن أبو غريب في العراق. بل لعلك تلاحظ فطنة الكيان الصهيوني ووعيه بتأثير التصوير، مما يجعله يقوم – في الغالب – بعمليات الدهم وهدم المنازل والاغتيالات تحت جنح الظلام، بعيداً عن نفوذ آلات التصوير! ويتجاوز ذلك بمنع دخول المصورين إلى مناطق الصراع، ليس خوفاً عليهم، وإنما خوفاً من كاميراتهم. وفي ضوء ذلك كله، ألا ينبغي على الفلسطينيين استخدامها – بكثافة أكثر - لفضح ممارسات العدوان على الأراضي الفلسطينية، وإبراز جرائم الإبادة التي ينفذها في حق الفلسطينيين؟
أما على الصعيد المحلي، فعلى الرغم من أهمية توثيق منجزات التنمية في بلادنا وإبراز معالمها السياحية، والتعريف بتراثها العريق، لا يزال المصورون - الهواة والمحترفون - يعانون صعوبة التقاط بعض الصور، ويواجهون المنع المتكرر من قبل رجال الأمن في أماكن عامة لا يوجد بها ما يبرر المنع. يحدث هذا في أحيان كثيرة على الرغم من صدور قرار مجلس الوزراء الموقر الذي ينظم التصوير ويحدد ضوابطه، وعلى الرغم من تشجيع الهيئة العليا للسياحة إبراز المعالم السياحية في بلادنا.
إن منع أبناء بلادنا من تصوير معالمها، وعدم تشجيعهم على صقل مواهبهم وإبراز إبداعاتهم، سيضطرنا – في النهاية - إلى شراء ما التقطته كاميرات الزائرين الأجانب أو الاعتماد عليهم بشكل دائم، أو ربما فوات فرص تسجيل كثير من المعالم والأحداث المهمة، خاصة مع التغيرات السريعة في مظاهر الحياة الاجتماعية، وكذلك التغيرات التي تمر بها البيئة الحضرية والطبيعية على حد سواء.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي