رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


إمدادات الغاز من المصادر غير التقليدية وأثرها في مستقبل صناعة الغاز الطبيعي المسال

لقد تطرقنا في المقالات السابقة عن الصناعة النفطية، بشقيها الاستخراجي والتحويلي (المصافي). في هذا الصدد تم التعرف على التحديات الرئيسة التي تجابه هذه الصناعة اليوم وفي المستقبل القريب، المتوسط والبعيد. وكان الحديث في مجمل هذه المقالات ينصب بالتحديد على النفط ومشتقاته. في هذه المقالة وفي المقالات اللاحقة سيتم التطرق إلى مصدر آخر مهم وحيوي من مصادر الطاقة وهو الغاز الطبيعي. حيث يعتبر الغاز الطبيعي واحدا من أنظف الوقود والأكثر وفرة عالميا. على سبيل المثال، من حيث الاستهلاك يمثل الغاز الطبيعي أكثر من 20 في المائة من إجمالي استخدام الطاقة في الولايات المتحدة. في هذا المقال سنتعرف على التحديات التي تجابه صناعة الغاز الطبيعي المسال Liquefied Natural Gas-LNG نتيجة التطور في تقنيات استغلال مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية Non-Conventional Gas بصورة اقتصادية وبالتالي زيادة الإمدادات من هذه المصادر.

إن مصطلح مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية يطلق عادة لوصف تجمعات الغاز الطبيعي الموجودة في التكوينات الصخرية واطئة النفاذية جدا أو عديمة النفاذية Impermeable Rock Formation مثل الغاز المتواجد في طبقات الرمال المتراصة أو المحكمة Tight Sands، طبقات الفحم الحجري أو في طبقات السجيل الغازي.
لقد ازداد الاهتمام خلال السنوات القليلة الماضية وتحديدا منذ مطلع العقد الحالي بشكل ملحوظ بتطوير بعض مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية الآنفة الذكر. ويعود سبب ذلك إلى عوامل عدة منها: حصول تطور في تقنيات استغلال هذه المصادر بصورة اقتصادية، أمن الإمدادات لمصادر الغاز، وخصوصا بعد تضاؤل معدلات الإنتاج من مصادر الغاز التقليدية في بعض المناطق من العالم وبالتحديد في الولايات المتحدة وكندا. كما أن المستويات العالية لأسعار النفط والغاز التي شهدتها الأسواق العالمية خلال العام الماضي ساعدت في هذا المجال أيضا.
لم يعد التوسع السريع للغاز الطبيعي المسال يمثل الحدث المهم الوحيد في صناعة الغاز الطبيعي، وإنما زيادة كمية الغاز المنتج من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية قد بدأت هي الأخرى تستحوذ على اهتمام المعنيين في مجال صناعة الغاز. واللافت للنظر هنا هو، أن هذا الأمر يبدو في غاية الأهمية اليوم ليس فقط للمعنيين بصناعة الغاز، بل أيضا أصبح يستحوذ على اهتمام المعنيين في قطاع صناعة الطاقة الكهربائية، نظرا لتزايد أهمية الغاز الطبيعي في توليد الكهرباء. السؤال المهم في هذا المجال هو هل إنتاج الغاز من مصادر الغاز الطبيعي غير التقليدية هو شأن يخص أمريكا الشمالية وحدها وبالأخص الولايات المتحدة، أم هو مثل الغاز الطبيعي المسال، سيتوسع ليشمل مناطق أخرى في العالم.
ففي الولايات المتحدة، وحتى وقت قريب، كان إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية يمثل نسبة صغيرة من إنتاجها الكلي من الغاز، حيت لم يتجاوز الإنتاج منها 10 في المائة من إنتاج الغاز الكلي في عام 1990. لكن كميات الغاز المنتجة من هذه المصادر بدأت تصبح كبيرة ومهمة منذ عام 2000 بالتحديد. خصوصا أن إنتاج الغاز من المصادر التقليدية في الولايات المتحدة بدأ في الانخفاض على مدى العقد الماضي، وبالذات من خليج المكسيك. وأدى ذلك إلى توقع حدوث نقص كبير في الإمدادات المحلية للغاز وزيادة الاستيراد وخصوصا من خارج أمريكا الشمالية، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغاز الطبيعي. ولكن كان هناك في الوقت نفسه عوامل أخرى عمدت إلى عكس هذا الاتجاه والتخفيف من آثاره. حيث كان للتقدم التكنولوجي أثر في خفض تكاليف استخراج الغاز من المصادر غير التقليدية، خاصة من السجيل الغازي Shale Gas. وكانت النتيجة طفرة كبيرة في هذا المجال وزيادة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة، لا سيما من السجيل الغازي الذي شهد زيادة كبيرة ابتداء من عام 2007. الأساليب الرئيسة التي أسهمت في هذا المجال هي تقنيات الحفر الأفقي وتقنيات التكسير Fracturing Techniques الحديثة. حيث إن هذه التقنيات تؤدي إلى زيادة كبيرة في مساحة الصخور المكشوفة، مما يسمح للغاز بالتدفق بحرية منها. ونتيجة لذلك تضاعفت تقريبا كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في الولايات المتحدة منذ عام 2000. حيث يمثل الغاز المنتج من هذه المصادر حاليا أكثر من 40 في المائة من مجموع الإنتاج المحلي الكلي للغاز في الولايات المتحدة، حسب إحصائيات وزارة الطاقة الأمريكية US Department of Energy. هذا وتتوقع الكثير من الدراسات في هذا المجال استمرار النمو في كميات الغاز المنتجة من المصادر غير التقليدية في السنوات المقبلة، حيث تشير هذه التوقعات إلى أن إنتاج الغاز من هذه المصادر قد يمثل أكثر من نصف الطاقة الإنتاجية الأمريكية للغاز في نهاية العقد المقبل.
هذا وتشير الدراسات إلى أن الاتجاه بإنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية للغاز من المتوقع أن ينتشر خارج الولايات المتحدة أيضا، والمرشح الأقوى القادم هي كندا. إضافة إلى ذلك تبين الدراسات الجيولوجية إلى أنه حتى الآن تم اكتشاف نحو 50 حوضا في أكثر من 30 دولة في العالم حاوية على ترسبات السجيل الغازي Shale Gas. وعلاوة على ذلك، هناك إمكانية كبيرة للحصول على موارد من الغاز الطبيعي من مصادر غير تقليدية أخرى: كالميثان من الفحم الحجري، والغاز من المكامن الواطئة النفاذية، وهيدرات الميثان. حيث تقدر موارد الغاز من هذه المصادر مجتمعة بإضعاف موارد الغاز التقليدية.
هذه التطورات الكبيرة في إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية تطرح تساؤلات مهمة لصناعة الغاز الطبيعي بخصوص ميزان الإنتاج الكلي للغاز. حيث إنه حتى الآن تم استثمار مليارات الدولارات في إنشاء البنية التحتية للغاز الطبيعي المسال وكذلك بناء الناقلات الخاصة لنقل الغاز من مواقع وجوده بكميات كبيرة إلى مراكز الاستهلاك العالمي، حيث يتم استخدامه. كما أن الإنتاج العالمي للغاز الطبيعي المسال من المتوقع أن يرتفع أيضا بنحو 50 في المائة خلال السنوات الخمس المقبلة عن المستويات التي هو عليها اليوم. في الوقت نفسه، من المرجح أن إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية يمكن أن يبطئ أو يعكس انخفاض إنتاج الغاز التقليدي في الدول المستهلكة الرئيسة، كما حدث بالفعل في الولايات المتحدة، كما بينا سابقا. وهذا من شأنه أن يقلل من الحاجة للغاز الطبيعي المسال. وهكذا، فإن إنتاج الغاز من المصادر غير التقليدية ليس فقط وفر إمدادات جديدة إلى الأسواق، لكنه في الوقت نفسه أضاف تحديا جديدا لأسواق الغاز العالمية والتي هي في الأصل تواجه تحديات معقدة وخصوصا فيما يتعلق بالموازنة بين العرض والطلب.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي