رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


البنك المركزي الأوروبي والمعضلة النقدية «1من 2»

يتطلب نظام النقود الورقية الذي نتبعه توافر مرساة مؤسسية تضمن على نحو جدير بالثقة وبشكل حاسم مستوى ثابتا للأسعار وثقة طويلة الأمد في اليورو. تـعـد المصداقية أعظم أصل يمتلكه أي بنك مركزي، لأنها تضمن الثقة بالقوة الشرائية للنقود. وتستند المصداقية بدورها إلى استقلال البنك المركزي عن النفوذ السياسي والتزامه بالاستقرار النقدي.
في هذا الضوء، كان البنك المركزي الأوروبي يخوض في مياه بالغة الخطورة لعدة أعوام. وقد عـرض استقلاله السياسي للخطر وقوض هدفه الأساسي. ولا تترك التدابير التي ترمي بوضوح إلى توقع الضغوط السياسية أي مجال للشك في أن البنك تجاوز تفويضه.
على سبيل المثال، أثناء أزمة الديون السيادية التي ألمت باليورو والتي بدأت في أواخر 2009، شارك البنك المركزي الأوروبي بنشاط في إعادة هيكلة الاتحاد الاقتصادي والنقدي الأوروبي. ومن خلال برنامج أسواق الأوراق المالية، تخلى البنك عن مبادئ مهمة في إدارة السياسة النقدية، بما في ذلك حظر التمويل النقدي للديون الحكومية ومتطلب السياسة النقدية الموحدة لمنطقة اليورو. اضطلع البنك المركزي الأوروبي أيضا بدور رائد في إنقاذ الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي التي تضررت بشدة من الأزمة، على الرغم من أن هذه كانت مسؤولية الحكومات الوطنية. وعلى هذا فقد جرى طمس الحدود بين السياسة النقدية والسياسة المالية عمدا، ما أدى إلى تنسيق وثيق بين الاثنين.
مع التزام رئيس البنك المركزي الأوروبي آنذاك ماريو دراجي من جانب واحد بـ"القيام بكل ما يلزم للحفاظ على اليورو"، وضع البنك المركزي الأوروبي ذاته في موضع المقرض والملاذ الأخير لمنطقة اليورو. وفشلت محاولة ربط برنامج "المعاملات النقدية الصريحة" الذي قدمه البنك المركزي الأوروبي بشروط بعينها. في الواقع، لم يتم تفعيل هذا البرنامج قـط، ومنذ ذلك الحين حل محله برنامج شراء الأصول وبرنامج المشتريات الطارئة المخصص للتعامل مع الجائحة.
من خلال شراء الديون الحكومية، تسبب البنك المركزي الأوروبي في تشويه أسواق السندات بشكل جوهري، بحجة محاولة منع تفتت السوق. ولكن الآن وقد استقرت علاوات المخاطر وجرى تأمين الوصول إلى الأسواق بشروط مواتية لكل دول منطقة اليورو، أصبح لدى الحكومات الحافز لزيادة مستويات الدين العام المرتفعة بالفعل بدرجة فادحة. ومن المفترض أن الدول المثقلة بالديون مثل إيطاليا وفرنسا ستعتمد على هذه الضمانة إلى أجل غير مسمى.
الأسوأ من هذا أن عمليات البنك المركزي الأوروبي التي تتجاوز الحدود التي وضعتها معاهدات الاتحاد الأوروبي وقوانينه ازدادت كثافة خلال رئاسة كريستين لاجارد. باستدعاء "أهداف ثانوية"، ألزم البنك المركزي الأوروبي نفسه بتعزيز "التحول الأخضر". يريد البنك المركزي الأوروبي المساعدة على تحسين شروط التمويل للمشاريع "الخضراء" وضمان "استدامة" الضمانات والسندات التي يقبلها بيئيا.
حتى 2021، لم يتسبب تسييس البنك المركزي الأوروبي على نحو متزايد في إشعال شرارة أي نزاع كبير حول مهمته الأساسية المتمثلة في ضمان استقرار الأسعار. ولكن مع تزايد التضخم وضوحا، تغير الموقف. من المؤكد أن كبار ممثلي البنك المركزي الأوروبي ما زالوا يعدون التضخم اليوم حالة عابرة مؤقتة. لا يستطيع أحد أن يجادل في صحة حقيقة مفادها أن بعض العوامل التي تؤثر في التضخم مؤقتة. لكن المشكلة هي أن عوامل أخرى ربما تستمر لفترة أطول من المتوقع... يتبع.
خاص بـ "الاقتصادية"
بروجيكت سنديكيت، 2022.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي