حياة رغيدة .. دروس من 3 دول «1من 3»
تبرز الدنمارك وكوستاريكا ونيوزيلندا باعتبارها ثلاث دول تنحو منحى سليما فيما يتعلق بالحفاظ على صحة مواطنيها وسعادتهم. وتشير دراسات الحالة إلى أن إتاحة الخدمات بفاعلية في المجتمعات المحلية، وإرساء الثقة المجتمعية، ومراعاة رفاهية المواطنين على مستوى السياسات العليا جميعها عوامل ذات دور مهم في هذا الصدد. وتعلمنا من تجربة العيش وسط مشاعر الإحباط واليأس الناجمة عن الجائحة العالمية، أن السعادة كما نعرفها بمختلف أشكالها تمثل عاملا مهما في آلية عمل المجتمعات.
ويؤكد جيفري ساكس، الاقتصادي في جامعة كولومبيا الذي يشارك في تأليف تقرير السعادة العالمي السنوي الذي يصنف الدول بناء على مجموعة من مسوح تقييم المعيشة، "أتفق مع أرسطو في هذه الرؤية، فالسعادة، أو حياة الرفاهية ــ أو (يودايمونيا) في اللغة اليونانية ــ هي (الخير الأسمى). والسعادة لا تعني المتعة أو مشاعر الشغف والحماس، بل الحياة الرغيدة". وأجرت كورديليا شيسنوت وفق حساباتها ما لا يقل عن 32 اختبارا للكشف عن الإصابة بفيروس كوفيد. وكان لزاما عليها تقديم اختبار سلبي يثبت خلوها من الفيروس كلما أرادت ممارسة هوايتها الجانبية في لعب كرة الريشة بعد أن ألغت الدنمارك حالة الإغلاق. وتقول إن الاختبارات، وهي مجانية ويمكن تحديد موعد لإجرائها بسهولة، كانت ثمنا زهيدا لضمان سلامة الآخرين والحفاظ، خصوصا على قدر ضئيل من السعادة خلال الجائحة. وهو ما يعد أيضا، إلى حد كبير، مثالا على نظرة العديدين في الدنمارك لأفعالهم باعتبارها جزءا من عمل جماعي.
ويكتسب مفهوم الثقة المجتمعية أهمية في الدنمارك، سواء كانت بدافع المصلحة الذاتية المستنيرة أو شعورا مطلقا بالإيثار. فالمواطنون يثقون بأن الحكومة ستصدر سياسات تراعي مصلحة الشعب. والحكومة، من جانبها، تثق بأن المواطنين سيحافظون على النسيج الاجتماعي. وأفراد الشعب يثقون بأن أقرانهم من المواطنين الدنماركيين سيؤدون واجبهم تجاه المصلحة العامة. وتجلت هذه الظاهرة بوضوح خلال الجائحة، وأدت إلى نجاح باهر في جهود القضاء على الفيروس بتكلفة بشرية منخفضة نسبيا.
وتقول الدنماركية شيسنوت (36 عاما) المستشارة بشأن قضايا اللاجئين، "كل ما في الأمر أنني أرغب في الحفاظ على سلامتي، وهو ما يتطلب أن يلتزم الجميع بالقواعد نفسها وأن نثق بعدم حدوث أي تجاوزات من جانب الحكومة".
وغالبا ما يشير الباحثون إلى الثقة باعتبارها السمة الثقافية الأهم على الإطلاق التي تفسر بقاء الدنمارك على قمة مختلف مؤشرات السعادة والرضا. وتنبع الثقة المجتمعية من نظام الرعاية الاجتماعية القوي في البلاد الذي يوفر إعانات بطالة سخية، ورعاية صحية وتعليما عاليا بالمجان، ودعما كبيرا على خدمات رعاية الأطفال.
ويبين كريستيان يورنسكوف، أستاذ الاقتصاد في جامعة آرهوس في الدنمارك، "عندما تقدم الحكومة جميع أشكال الدعم الاجتماعي تلك، فإنها تعيد في الأساس توزيع أموال طائلة على الغرباء، ونعلم أن الشعب لن يصوت لنظام كهذا ما لم يكن لديه ولو قدر قليل من الثقة بالغرباء".
ونشر يورنسكوف أخيرا كتابا بعنوان "السعادة في عالم الشمال الأوروبي"، Happiness in the Nordic World، ويقول إن الثقة من السمات الثقافية التي تكاد تنفرد بها المجتمعات في الدنمارك وغيرها من دول الشمال الأوروبي. ولكنه يشير إلى أن نظام الرعاية الاجتماعية الموسع ليس بالضرورة هو ما يجعل الشعب راضيا أو سعيدا، وأن السبب في ذلك هو مزيج من الثقة والتسامح وقوة المؤسسات وتاريخ التنمية الاقتصادية الطويل وصلابة النظام الديمقراطي.
وفي واحدة على الأقل من مدن الدنمارك، استخدم المسؤولون السعادة كأحد المقاييس التي استندت إليها خطط عملهم. ففي دراجور، وهي إحدى مدن الصيد الساحرة التي تقع بالقرب من العاصمة كوبنهاجن، أجرى مجلس المدينة مسحا على المقيمين في 2014 واتخذ عددا من الإجراءات بناء على نتائجه.
ويشير إيك دال بيدستراب، الذي كان يشغل منصب عمدة المدينة آنذاك، "أردنا التعرف على أولويات مجتمعنا، وأحلامه، وببساطة ما الذي يسبب له السعادة". وخلصت الدراسة التي تم إجراؤها بالاشتراك مع معهد بحوث السعادة الذي يقع مقره في الدنمارك إلى أن مواطني المدينة أرادوا توفير بنية تحتية أفضل لقضاء أوقات فراغهم. ونتج عن البحث إنشاء مركز سباحة مغلق جديد، وإجراء التحسينات على المرافق الرياضية في المدينة، وتصميم مزيد من البرامج لكبار السن، وتطوير الأماكن العامة في وسط المدينة ومينائها التاريخيين.
ويوضح بيدستراب، الذي يرأس حاليا اتحاد "كريفا" العمالي في الدنمارك، "يتعلق الأمر إلى حد كبير بالتوازن بين الحياة والعمل. فالعمل يمثل لنا أهمية كبيرة، ولكننا نولي أوقات الفراغ القدر نفسه من الأهمية. ومن أهم أولويات القيادات المحلية التأكد من توافر مرافق وإمكانات جيدة تتيح للمواطنين قضاء أوقات فراغهم". وانعدام الفساد من العوامل المهمة أيضا في تعزيز الثقة. ويشير موجينز ليكيتوفت، عضو البرلمان الدنماركي الذي أشرف خلال التسعينيات على مجموعة من الإصلاحات الكبرى في سوق العمل والضرائب باعتباره وزير المالية الأطول خدمة في تاريخ البلاد، "لا يوجد لدينا نظام سياسي فاسد. ومعظم أفراد الشعب يثقون بالنظام السياسي".
ويضيف قائلا، إن الجزء الأكبر من الشعب يقبل بمعدلات الضريبة المرتفعة بسبب انعدام الفساد، وتوافق الآراء الذي تحقق للدنمارك منذ زمن بعيد "إذ لا توجد أغلبية لأي من الأحزاب منذ أوائل العقد الأول من القرن الـ 20"، وكفاءة الخدمات الحكومية بوجه عام.
ويذكر ليكيتوفت "ثمة اتفاق أيضا على أن الخدمات التي تقدمها الحكومة في مجالات التعليم ورعاية الأطفال وكبار السن والصحة تسهم، إما في كفاءة مجتمع الأعمال، أو كفاءة سوق العمل".
غير أن النظام يواجه تحديات أيضا. ويقر ليكيتوفت بأن الصعوبات في دمج المهاجرين واللاجئين في سوق العمل والتصورات بشأن الضغوط التي قد يواجهها نظام الرعاية الاجتماعية كانت بمنزلة ذريعة لتخفيض المزايا الاجتماعية. وعلى الرغم من المبادرات التي أطلقتها الحكومة للتصدي لهذه التحديات، أدى الجدال الناتج حول قضية الهجرة إلى تراجع الثقة ببعض أركان المجتمع. ولكن البلاد ظلت متحدة خلال الجائحة، وحالت سياسات احتواء الفيروس دون تسييس الأوضاع على غرار ما حدث في عديد من الدول الديمقراطية... يتبع.