رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


آليات تمويلية .. إدارة وكفاءة

يعد الاقتراض إحدى أدوات المالية العامة، لتلبية طلبات تنفيذ خطط التنمية، وتمويل المصروفات المعتمدة، وبذلك فمن الأفضل استخدام أدوات الدين جزءا أساسيا من هيكل التمويل، وهناك من يرى ضرورة ألا تقل حصة التمويل من خلال أدوات الدين لأي مشروع اقتصادي رأسمالي، سواء في القطاع العام أو الخاص عن 30 في المائة، وهذا له أسباب كثيرة ليس أقلها أهمية ما توفره أدوات الدين من وسائل رقابية على استخدام الأموال.
الدائنون يراقبون بحرص آليات استخدام الأموال التي أقرضوها لأي جهة، لتحديد قضايا عدة مهمة، أولاها وأكثرها أهمية هي قرار إعادة الإقراض، والثانية سعر الإقراض، أو الفائدة، فإذا كانت الجهة تحسن استخدام الأموال في بناء أصول استراتيجية، وإيجاد قيمة اقتصادية مضافة تسهم في استدامة الاقتصاد والتدفقات النقدية، كانت رغباتهم في إعادة التمويل أكبر وأكثر، وتكون أسعار الفائدة أقل لانخفاض المخاطر المرتبطة، والعكس صحيح.
وإذا كان هذا صحيحا على المستوى النظري، فهو أيضا صحيح على المستوى التجريبي وعلى مستوى القطاع العام، فالاقتراض الحكومي لتمويل المالية العامة يخضع بدوره لرقابة جهات كثيرة من بينها مؤسسات الائتمان الدولية التي تقدم تقارير دورية عن الحالة الاقتصادية للبلاد، وأيضا عند استخدامات الأموال، وعندما تمنح هذه المؤسسات الثقة بمؤشراتها، فإن جميع جهات الإقراض تتسابق على الفوز بحصة من التمويل، وتقديم أسعار تنافسية، فالفوز بتمويل سهل بأسعار فائدة منخفضة يأتي نتيجة جهد ناجح في إدارة الاقتصاد، ومكافحة الفساد، ويقدم دليلا على حسن التخطيط.
وفي هذا الشأن أشار وزير المالية السعودي رئيس مجلس إدارة المركز الوطني لإدارة الدين، إلى ما قامت به وكالات التصنيف الائتماني من تعديل تقييماتها ونظرتها المستقبلية إلى نظرة مستقرة، وهو يؤكد كفاءة المنظومة المالية العامة وقدرتها على تجاوز التحديات، وعملها على استشراف المستقبل ووضع خطط للتعامل مع المخاطر. على هذا، فإن البقاء في سوق الإقراض العالمية، وتعزيز المكانة العالمية يعزز من آليات إدارة الاقتصاد الوطني، ويدعم آليات التعامل مع المخاطر الاقتصادية، وآليات اتخاذ القرار الاستراتيجي، فالتقلبات الاقتصادية العالمية تشكل مخاطر محتملة على أسعار الفائدة العالمية.
وقد نشر عبر "الاقتصادية" عديد من التقارير والتحليلات التي توضح ما يشهده العالم من مخاطر التضخم، وخروجه عن السيطرة، فهذا جيروم باول رئيس "الاحتياطي الفيدرالي" يغير من وجهة نظره بشأن التضخم، قائلا: "ينبغي عدم عده عابرا بعد الآن"، وفي هذا التصريح إشارة يجب عدم إغفالها عن توجهات "الفيدرالي" في أسعار الفائدة، التي تعد أسعارا مرجعية في العالم. وفي هذا المسار أيضا نلاحظ تصريحات عن شركة إدارة الاستثمارات "أليانز جلوبل إنفسترز" التي تؤكد أن "رد فعل البنوك المركزية على ظاهرة التضخم سيكون الموضوع الرئيس للأسواق، والقلق الأساسي للمستثمرين".
ونتيجة لذلك، قد تمضي البنوك المركزية في رفع أسعار الفائدة الرئيسة، حيث يدرس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في الوقت الراهن ثلاث زيادات في أسعار الفائدة في 2022، ورغم هذه التقلبات المرتقبة إلا أن وزير المالية السعودي أكد اكتمال تنفيذ خطة الاقتراض السنوية التي اقترحها المركز الوطني لإدارة الدين لعام 2021، بحجم تمويل بلغ نحو 125 مليار ريال، وذلك ضمن استراتيجية الدين العام المعتمدة لتلبية احتياجات المالية العامة، واغتنام الفرص المتاحة في الأسواق المحلية والعالمية، وإدارة المخاطر.
خطة الاقتراض السنوية للسعودية شملت تلبية احتياجات مالية عن طريق إصدار أدوات دين بنحو 125 مليار ريال، تضمنت صكوكا وسندات، كان جلها من الأدوات ذات العائد الثابت لتجاوز مخاطر تقلبات أسعار الفائدة المحتملة، فيما تم ترتيب إصدار سندات سيادية بقيمة 1.5 مليار يورو بأكبر شريحة عائد سلبي على الإطلاق خارج دول الاتحاد الأوروبي، حيث بلغ إجمالي الإصدار ما يعادل 6.8 مليار ريال وتغطية وصلت إلى 3.3 مرة "بما يشكل نحو خمسة مليارات يورو" من إجمالي الإصدار، وهو ما يؤكد المكانة الرائدة في الأسواق العالمية.
وفي تحليل فني عن منهجية المركز الوطني لإدارة الدين، اتضح وجود سياسة تسعيرية جريئة ومتشددة، مكنت السعودية من ضغط الهوامش الائتمانية بما ينعكس إيجابيا على خزينة الدولة عبر تحقيق ما يصفه المتخصصون في أسواق الدخل الثابت توفيرا في تكلفة التمويل، فالتمويل الاستباقي لموازنة العام المقبل عبر الاستدانة من الأسواق يسهم في تجنب ارتفاعات أسعار الفائدة، وهذا لا يتحقق عادة إلا للدول ذات التصنيف الائتماني المرتفع التي تتمتع بميزة خيار الاستدانة السريعة من الأسواق بغرض تسريع تنفيذ بعض المشاريع المجدولة للأعوام المقبلة، بما في ذلك مشاريع البنية التحتية، فالتخطيط المحكم للاقتصاد والمصداقية العالية، والثقة العالمية، مكنت مركز إدارة الدين من اقتناص تمويل عند أسعار فائدة تعد فرصة في ظل تهديدات التضخم.
البعض من المستثمرين اضطروا إلى تغيير سياستهم التسعيرية، وأن يضعوا طلباتهم عند المستويات المتوسطة لأسقف معدلات العائد، بدلا من السقف الأعلى لمعدل العائد، وذلك من أجل ضمان حصولهم على التخصيص المطلوب، نظرا إلى ارتفاع المنافسة بين المستثمرين المؤسسيين للحصول على جزء من هذه الأوراق المالية، وهذا يسهم أيضا في حسن إدارة الدين العام، ونجاح الخطط السعودية، إذ إن أدوات الدين التي تصدرها أصبحت تمثل ملاذات آمنة، وعائدا مضمونا عند مخاطر صفرية في السندات الداخلية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي