العمل المرن ليس معركة تخوضها النساء وحدهن

العمل المرن ليس معركة تخوضها النساء وحدهن
لأكثر من قرن والأمهات العاملات يحاولن الموازنة بين ضغوط العمل والأسرة. "جيتي"

في بريطانيا الفيكتورية، كان ينظر إلى عمل الأمهات عموما على أنه مشكلة اقتصادية - أو على الأقل دليل على مشكلة واحدة. ربما كانت الأم التي كان عليها أن تعمل من أجل المال هي إما مات زوجها وإما عاطل عن العمل، أو أصبح معاقا أو لا يستطيع أن يكسب ما يكفي لإعالة الأسرة.
كتبت المؤرخة هيلين مكارثي في كتابها "حياة مزدوجة: تاريخ الأم العاملة" لم تعد النساء أنفسهن دائما ضحايا. في حديث إلى "مجموعة فابيان النسائية"، قالت امرأة كان زوجها مصابا، لكنه بصحة جيدة بما يكفي لتولي مسؤولية المنزل، "إنه لمن دواعي سروري أن أذهب إلى العمل".
بعد ما يقارب 150 عاما، تغير معنى أن تكوني أما عاملة بشكل جذري. كما قالت مكارثي، "ما كان يفهم على أنه مشكلة اجتماعية ناشئة عن الضغط الاقتصادي على الأسرة أصبح عرفا اجتماعيا متجذرا في مجموعة أكثر اتساعا من الاحتياجات والحقوق والتفضيلات التي تشعر بها وتؤكدها الأمهات".
لكن هذا لا يعني أن الآباء والأمهات الآن على قدم المساواة في عالم العمل. وجدت دراسة نشرت هذا الشهر من قبل معهد الدراسات المالية IFS أن حالات التفاوت الكبيرة لا تزال قائمة بين الرجال والنساء من حيث معدلات التوظيف، وساعات العمل، والأجر بالساعة. في 2019 كانت المرأة العاملة لا تزال تحصل على دخل في الساعة أقل 19 في المائة مقارنة بالرجل. تقلصت الفجوة خمس نقاط مئوية منذ منتصف التسعينيات، مع تحسن الأداء التعليمي للمرأة الذي يفسر معظم التغيير.
الأطفال الآن هم العامل الأكبر. تظهر البيانات أنه عندما يصبح الرجال آباء، فإن متوسط دخلهم يكاد يكون غير متأثر بالكامل. من ناحية أخرى، تعاني النساء انخفاضات مفاجئة على صعيد المشاركة في سوق العمل وعدد ساعات العمل. يؤدي هذا إلى تباين أبطأ لكنه طويل الأمد بين الجنسين في الأجور بالساعة، حيث تفوت النساء الترقيات أو يتحولن إلى وظائف منخفضة الأجر. هذه ليست مجرد نتيجة اتخاذ الأزواج خيارا عقلانيا لإعطاء الأولوية لمسيرة الشخص الأعلى دخلا. تظهر الأنماط نفسها في الأزواج حيث تتفوق المرأة على الرجل قبل ولادة الطفل. وجدت دراسات مختلفة في الدنمارك والنمسا أن أكثر من 80 في المائة من الفجوة بين الجنسين يمكن تفسيرها بما يسمى "عواقب الأطفال".
استنتج مؤلفو معهد الدراسات المالية أن "الأعراف والمواقف وبيئة السياسة" تتحد لتقيد "النساء والرجال وتمنعهم من القيام بالعمل الذي سيكونون الأفضل نسبيا فيه، وبالتالي توجد حاجزا أمام التخصيص الفاعل للموارد للنشاط الاقتصادي".
في هذه المرحلة، يجب أن أعلن أمرا مشوقا، لقد انتقلت إلى العمل لمدة أربعة أيام خلال الأسبوع بعد ولادة طفلي الأول. وعلى الرغم من أنني قد أخذل الاقتصاد بسبب هذا التخصيص غير الفاعل لوقتي، إلا إنني يجب أن أقول بأني أستمتع به حقا.
بينما يجب بالطبع دعم الأشخاص للعودة إلى العمل بدوام كامل، إذا رغبوا في ذلك، فإن العمل بدوام جزئي والعمل المرن لا يمثل مشكلة في حد ذاته. المفتاح هو التأكد من أنه لا يضع الناس تلقائيا في المسار الوظيفي البطيء. بطبيعة الحال، الخروج لمدة أعوام من سوق العمل بالكامل سيكون له تأثير في قابلية التوظيف، ولا يمكن أداء كل وظيفة بدوام جزئي. لكن أرباب العمل في الماضي كانوا يفتقرون أيضا إلى الخيال الذي يجعلهم يفكرون في كيفية تصميم الوظائف بشكل أكثر مرونة، وبالتالي عاقبوا أو استبعدوا، دون داع، الأشخاص الذين لا يستطيعون تعديل حياتهم الشخصية وفقا لمتطلبات الوظيفة التقليدية بدوام كامل.
هذه ليست قضية نسائية فقط. وجدت دراسة استقصائية أجرتها "تايم وايز"، وهي شركة استشارية، أن 91 في المائة من النساء و84 في المائة من الرجال الذين يعملون بدوام كامل إما يرغبون في العمل المرن وإما يمارسون ذلك بالفعل. مع ذلك تم إعلان وظيفة واحدة فقط من بين كل أربع وظائف بنظام العمل المرن في 2021. وفي وقت يشكو فيه أصحاب العمل من نقص الموظفين، من غير المنطقي استبعاد هذا العدد الكبير من المرشحين المحتملين.
غالبا ما يدور الحديث حول العمل المرن في صومعة تجمع أصحاب الياقات البيضاء "فئة من الموظفين معروفين بأنهم يتقاضون رواتب أعلى ويمارسون أعمالا تتطلب مهارات عالية"، لكن ينطبق بالقدر نفسه على الوظائف منخفضة الأجر. انخفاض التسوق من متاجر الشوارع الرئيسة وصعود التسوق عبر الإنترنت يعني استبدال وظائف البيع بالتجزئة بدوام جزئي بأدوار في المستودعات، حيث نوبات العمل لمدة عشر ساعات أمرا شائعا. ساعات العمل المرهقة التي لا تتيح مساحة للحياة الأسرية تكمن وراء بعض أشد حالات نقص العمالة من ذوي الياقات الزرقاء "الأقل أجورا" في 2021 ـ من معالجة اللحوم إلى سائقي الشاحنات الثقيلة.
الأسباب التي تجعل الناس يقولون إنهم يريدون عملا مرنا هي أيضا أسباب هادفة. لدى الأطفال ميزة بالطبع، لكن هناك أولويات أخرى مثل التعليم ورعاية الأقارب المسنين.
تحاول الأمهات العاملات الموازنة بين ضغوط العمل والأسرة لأكثر من قرن. ينبغي ألا تكون هذه معركة يقاتلن فيها وحدهن.

الأكثر قراءة