رسالة الخطأ

لم يتم إنشاء الملف.


عملات الظل .. الأرباح والمخاطر

تتزايد المخاوف من مسار العملات الرقمية أو المشفرة في الوقت الراهن، ليس فقط من جهة ارتفاعها وهبوطها الجنوني، بل من جانب عدم خضوعها لأي رقابة مالية حكومية. وهناك دعوات أطلقها خبراء، ومنظمات مالية طالبت الحكومات بالتحرك الجدي من أجل حسم مصير تلك العملات عموما، وتواصلت هذه الدعوات حتى أن صندوق النقد، والبنك المركزي الأوروبي، أكدا ضرورة تقنين هذه المسألة ووضع لوائح تنظيمية لها للحد من خطورتها وتوغلها.
كثير من الحكومات اتخذت مواقف سلبية من هذه العملات، وبعضها الآخر حافظ على تجاهله لها، في حين أعلنت مجموعة من البنوك المركزية، ولا سيما في الدول الغربية، تفكيرها في طرح عملاتها الرقمية الخاصة بها، لكن شيئا من هذا لم يحدث، وتم تأجيل اتخاذ أي خطوة حتى تتضح الصورة، وهذا الانتظار من شأنه رفع مستوى المخاطر في النهاية.
العملات الرقمية لم تكن مستقرة منذ انطلاق أول عملة منها، فهي متقلبة إلى درجة تصيب المراقبين بالذهول، وتكفي الإشارة مثلا إلى أن سعر وحدة "بيتكوين" العملة الأشهر في العالم حاليا كان وقت الإطلاق في 2008 لا يزيد على أقل من سنت أمريكي واحد، وهي بعد 12 عاما الآن تساوي أكثر من 50 ألف دولار، في حين وصلت في بعض الأوقات إلى 65 ألف دولار.
وإذا أضفنا إلى ذلك التراجع الواضح والارتفاع للعملات الرقمية عموما، فإن المخاطر تزداد مع المخاوف الموجودة أصلا، إلى جانب ذلك، تمكنت هذه العملات من استقطاب شرائح متعددة من الناس على اختلاف قدراتها المالية، فبالإمكان الاستثمار بصرف النظر عن قدرات الشخص المالية.
في الساحة اليوم توجد أكثر من 8390 عملة مشفرة، يتم تداولها عبر 478 منصة تداول، وهذا العدد قابل للزيادة وليس للانخفاض، وذلك مع ارتفاع عدد الراغبين حول العالم في دخول هذه الساحة المغرية حقا. ووفق آخر البحوث في هذا المجال، فإن العملات الرقمية الجديدة المربوطة بأصول، سجلت ما بين 2016 و2019 معدلات فشل 100 في المائة و42 في المائة على التوالي.
كما أن هناك عمليات احتيال واسعة تمت خلال الأعوام الماضية على مستثمرين من خلال العملات المشفرة التي ظهرت واختفت بعد أن جمع من يقف وراءها أموالا ذات أرقام ضخمة من مستثمرين لا يتمتعون بأي قدر من الحماية الحكومية أو الرقابة المالية المشروعة، فضلا عن الخسائر والأرباح المفاجئة التي تدخل وتخرج مستثمرين بصورة مفاجئة وسريعة أيضا إلى هذا العالم.
كل المخاوف والمخاطر على صعيد العملات الرقمية لا يمكن أن تنتهي، إلا إذا تدخلت البنوك المركزية بتشريعات واضحة للتعاطي مع هذا النوع من العملات كأي عملات تقليدية أخرى، في حين أن التشريعات الحكومية والرقابة، لا تحمي المستثمرين فحسب، بل تحد من مستويات الجريمة التي تستخدم فيها العملات المشفرة، فقد تبين - على سبيل المثال - أن منظمات إرهابية تلقت تمويلات عبر هذا النوع من العملات، فالمسألة تتعلق بأمان المستثمر والأمن العام أيضا.
عالم العملات الرقمية أو المشفرة يتسع وترتفع مخاطره بالطبع، ففي الربع الثاني من العام الجاري تم استخدام العملات الرقمية المربوطة بأصول في 1.77 تريليون دولار من المعاملات، ونمت هذه العملات المربوطة بأصول أكثر من 1100 في المائة على أساس سنوي. وفي النهاية، لا شيء يمكن أن يقف في وجه هذا النشاط في الأسوق، ولا حتى توالد عملات رقمية جديدة، إذا ما ظلت البنوك المركزية بعيدة عن المشهد، أو إذا بقيت متثاقلة في سن التشريعات اللازمة، أو حتى إصدار عملات رقمية خاصة بها. التشريعات التنظيمية الواضحة تحمي كل الأطراف في ساحة لا يزال يصفها الكثير بأنها وهمية.

الأكثر قراءة

المزيد من مقالات الرأي