مشهد الأسواق مقلق .. المخاطر عند أعلى مستوياتها التاريخية والكثير مخفي عن الأنظار
على الرغم من التوترات الأخيرة بشأن المتحور أوميكرون، لا تزال أسعار الأسهم العالمية عند أعلى تقييماتها تاريخيا، أو بالقرب منها، فيما تعكس أسعار السندات أدنى معدلات فائدة في التاريخ. وبالنظر إلى الهدف المعلن من جانب صناع السياسة، المتمثل في إحداث مزيد من التضخم، هل من المفاجئ أن يكون التضخم قد خرج عن حدود الـ20 عاما الماضية؟ عبر مشهد السوق، المخاطر تتزايد، وكثير منها مخفي عن الأنظار.
مع ذلك، في تحول مفاجئ، فإن عددا متزايدا من أكبر المستثمرين في العالم - بما في ذلك المؤسسات ذات الأهمية الاجتماعية مثل صناديق التقاعد، والأوقاف الجامعية، والمؤسسات الخيرية وما شابه - يصطفون حاليا لتحمل المزيد من المخاطر، التي يمكن أن تكون الآثار المترتبة عليها بالنسبة لهؤلاء المستثمرين ورأسمال عملائهم واستقرار الأسواق العامة الأوسع كارثية. ما الذي يقود هذا السلوك؟
بشكل رئيس، هذا مدفوع بالسياسات النقدية والمالية التوسعية الجذرية التي اتخذتها حكومات العالم المتقدم منذ نهاية الأزمة المالية العالمية، التي تسارعت بعد أن تسببت جائحة كوفيد - 19 في زعزعة الأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي العام الماضي. وهو مدفوع جزئيا، أيضا، بالمعايير - ممارسة المستثمرين المؤسسيين الذين يقيسون أداءهم مقابل مؤشر مثل إس آند بي 500.
نظرا لأن السياسات النقدية والمالية دفعت بتقييمات الأوراق المالية إلى آفاق جديدة، فقد تم إغراء المستثمرين المؤسسيين بزيادة وزن محافظهم في الأسهم، حتى عند الأسعار المرتفعة القياسية، خوفا من فقدان مكاسب غير عادية. إن ضغط الشراء الناتج عن هذه الاستراتيجيات لا يؤدي إلا إلى ارتفاع الأسعار وتوجيه رأس المال إلى الأصول الخطرة.
في الوقت الحاضر، المخاطر عند أعلى المستويات في تاريخ السوق أو قريبة منه. مثلا، تبلغ القيمة السوقية لجميع الأسهم الأمريكية العامة والخاصة المحلية الآن 280 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي أعلى كثيرا من الذروة السابقة البالغة 190 في المائة قبل انهيار فقاعة الإنترنت. وبلغت مخصصات الأسهم الأسرية أعلى مستوياتها على الإطلاق بنسبة 50 في المائة.
في نهاية المطاف، قد يؤدي ارتفاع التضخم أو ارتفاع أسعار الفائدة، أو بعض الأحداث غير المتوقعة إلى انخفاض كبير في سوقي الأسهم والسندات، ربما في تسلسل لا يمكن التنبؤ به. بعد ذلك، ماذا بالنسبة لمديري المؤسسات عندما يبدأ الاندفاع نحو الخروج؟
قد تكون إحدى الإجابات هي أن السلطات لن تسمح أبدا بحدوث تراجع مستمر في أسعار الأصول مرة أخرى. يشير هذا إلى إحدى المشكلات الرئيسة مع المجموعة الحالية من السياسات النقدية والمالية في العالم المتقدم، فهي تخفي وتقلل المخاطر مع منع أسعار الأسهم والسندات من أداء أدوارها الاشارية التي لا غنى عنها.
حاليا، تم تصميم السياسات في جميع أنحاء العالم المتقدم لتشجيع الناس على الاعتقاد بأن المخاطر محدودة وأن أسعار الأصول، وليس فقط الأداء العام للاقتصاد، ستحميها الحكومة دائما وإلى الأبد.
وبسبب هذا الدعم الاستثنائي لأسعار الأصول، فإن جميع استراتيجيات الاستثمار تقريبا في السنوات الأخيرة حققت أرباحا، وجنت أموالا، ومن المتوقع أن تستمر في جني الأموال. كانت الاستراتيجية الأكثر نجاحا بالطبع هي شراء أي أصول مخاطرة تقريبا، والاعتماد بشدة على أحدث الصرعات، باستخدام أقصى قدر من الرفع المالي لتعزيز القوة الشرائية وشراء المزيد عند الانخفاض.
لذا، لا عجب أنه في ظل هذه الظروف المصطنعة أن ينتقل المستثمرون "إلى منحنى المخاطرة" – يتحدثون الآن عن خوض المزيد من المخاطر غير المرتبطة بالعائدات المتوقعة. معظم الذين يقولون إنهم على استعداد لتحمل المزيد من المخاطر لا يعنون ذلك في الواقع. ما يقصدونه حقا هو أنهم يخشون فقدان العوائد الأعلى التي حققها المستثمرون الآخرون - بعبارة أخرى، يفقدون معاييرهم.
مع ذلك، قدرة الحكومات على حماية أسعار الأصول من الانكماش مرة أخرى أصبحت مقيدة أكثر من أي وقت مضى. كومة الأسهم والسندات العالمية البالغة 30 تريليون دولار التي تم شراؤها من قبل البنوك المركزية من أجل رفع أسعارها سببت عبئا هائلا. مع ارتفاع التضخم، وصل صناع السياسة إلى حدود قدرتهم على دعم أسعار الأصول في أي انكماش مستقبلي دون زيادة تفاقم الضغوط التضخمية.
مع وضع كل هذا في الحسبان، من المحير أن عددا متزايدا من مديري الأموال الذين يتسمون بالحذر يعملون على زيادة مخصصاتهم للأصول الأكثر خطورة، بدلا من محاولة اكتشاف طرق لتحقيق نوع من معدل العائد دون التنازل عن سنوات من تراكم رأس المال في الانهيار أو الأزمة التالية. قد يعاني المستثمرون الذين رفعوا مستويات المخاطر لديهم، معتمدين على صانعي السياسات لحماية أسعار ممتلكاتهم، أضرارا كبيرة وربما طويلة الأمد عندما تتوقف في نهاية المطاف أوركسترا البنوك المركزية عن العزف.
المؤسس والرئيس التنفيذي المشارك لصندوق التحوط الناشط "إليوت مانجمنت".