هشاشة الأسواق واقع لا يدركه كثير من المستثمرين
كان المستثمرون يتأرجحون بمرح وهم مقبلون على فترة عيد الميلاد، مستمتعين بصعود ملحوظ آخر عبر الأسواق المالية. لكن الجليد قد يكون أرق وأكثر هشاشة مما يدركه كثيرون، كما أظهرت عمليات البيع العنيفة الجمعة.
اتسم العقد الماضي بهدوء غير معتاد، وانتعاش قوي وطويل في سوق الأسهم تخللته أحيانا حالات انخفاض قصيرة، إلا أنها وحشية بشكل استثنائي. هذه ليست ملاحظة جديدة، لكن هناك اعتراف متزايد بالظاهرة، وأبحاث عديدة حولها، وأصبح هناك فهم متزايد للقوى المحركة- حتى لو لم يكن هناك اتفاق على السبب الأساسي.
جاء الاستكشاف الأخير لنظام السوق من مجموعة ويلينجتون الاستثمارية الأمريكية هذا الصيف عندما نشرت تقريرا بعنوان "لماذا الهشاشة هي الواقع الجديد لسوق الأسهم".
قراءة التقرير تعد واجبة بالنسبة لأي شخص يشعر بالتوتر من حقيقة أن سوق الأسهم العالمية عادت أكثر من 14 في المائة هذا العام، ومرت ستة أسابيع دون أن تتحرك أكثر من 1 في المائة في أي من الاتجاهين إلى أن تسببت المخاوف من متحور فيروس كورونا الجديد في حدوث الفوضى الجمعة، في الواقع، فجائية الاضطراب وشدته تشكلان مثالا واضحا على فرضية "الأسواق الهشة".
المشكلة المركزية، التي حددتها مجموعة ويلينجتون هي عدم التوافق بين الطلب والعرض بالنسبة للسيولة- بشكل أساسي مقدار رغبة المستثمرين في التداول مقابل مدى سهولة التداول، التي تصبح حادة بشكل خاص في أوقات اضطراب السوق. بشكل أساسي، أصبح كل من ضرورة البيع وقدرة الأسواق على التعامل مع موجة المبيعات أكثر مسايرة للاتجاهات الدورية، ما يؤدي إلى عدم توافق صعب بشكل متزايد كلما كانت الأسواق في حالة اضطراب.
عندما تكون الأسواق هادئة تكون ظروف التداول جيدة إلى حد كبير، لكن عندما يتبدد الهدوء، فإن كثيرا من صناديق الاستثمار تصبح مرغمة على البيع إما من قبل مديري المخاطر العصبيين، وإما تلقائيا من خلال قواعد الخوارزميات.
في الوقت نفسه، أصبحت صناعة السوق الآن لعبة حصرية لصناديق التداول عالية التردد. عندما يرتفع التقلب يحمي التداول عالي التردد نفسه عن طريق توسيع الأسعار، التي سيتعامل بها بسرعة وتقليص حجم الطلبات، التي على استعداد للتعامل معها.
جادلت مجموعة ويلينجتون في التقرير بأن: "حالة منعدم التوازن نشأت بين العرض والطلب على السيولة، ونتيجة لذلك شهدنا زيادة كبيرة في احتمال أن تقفز سوق الأسهم العامة من حالة الهدوء إلى حالة الفوضى. بالتالي، نحن نميل إلى عدم الثقة بالمواقف التي أصبح فيها الاستقرار هو الإجماع، ونعتقد أن أي تغيير في السرد من شأنه إحداث تغييرات جذرية مفاجئة في التوازن".
يعكس التقرير أصداء عمل قام به أمثال كوري هوفستين من "نيوفاوند ريسيرش"، ومايكل جرين من "سيمبليفاي أسيت مانجمنت"، وكريستوفر كول من "أرتماس كابيتال مانجمنت" وبنجامين بولر من بنك أوف أمريكا- على الرغم من أنهم غالبا ما يركزون على أسباب وجوانب مختلفة.
يعتقد جرين أن المد المتزايد للاستثمار السلبي يؤدي إلى تفاقم هشاشة السوق، ركز كول على مشكلات استخدام التقلبات بصفتها الوكيل المهيمن للمخاطر، وكيف أن التضمين في نسيج صناعة الاستثمار بأكملها قد يكون منطقيا بالنسبة للأموال بشكل فردي، لكن بشكل جماعي يجعل النظام بأكمله أكثر هشاشة.
يسلط هوفستين الضوء أيضا على الكيفية، التي شجعت بها البنوك المركزية الداعمة على مزيد من المخاطرة، لكنه يجادل بأن التفاعل الجماعي لجميع هذه العوامل هو الذي يمكن أن يتسبب في "تداعيات تدفع الأسواق للخروج عن السيطرة".
مع ذلك، يعتقد بولر، الرئيس العالمي لأبحاث مشتقات الأسهم في بنك أوف أمريكا، أن عديدا من الجوانب، التي يغلب عليها الطابع الفني تؤدي في الغالب إلى تفاقم دافع أساسي وحيد. يجادل قائلا: "هناك كثير من هذه العوامل الأخرى تتألق على الكعكة. الكعكة نفسها هي السياسة النقدية".
كان بولر من أوائل، الذين بدأوا في تحليل هذه الظاهرة في 2015. ورأيه هو أن نشاط تدخل البنك المركزي كلما تسببت الأسواق في قمع تقلبات السوق، يؤدي إلى فترات من المخاطرة المتفشية وتزاحم المستثمرين، وهذا بدوره يجعل الانعكاسات أكثر ندرة لكنها عنيفة بشكل غير متناسب.
لكن معرفة أن البنوك المركزية مستعدة دائما للعمل تشجع المستثمرين على الشراء بسرعة عند الانخفاض. يقول بولر: "لقد تم تكييفهم مثل كلاب بافلوف".
لحسن الحظ يدرك بعض المستثمرين بشكل متزايد هشاشة الجليد ويتكيفون مع البيئة الجديدة. قد يكون الحذر تصرفا حكيما.
يشير بولر إلى أنه إذا استمر التضخم في الارتفاع، فقد يقيد أيدي البنوك المركزية في الأسواق المستقبلية، ما يؤدي إلى إلغاء عمليات الشراء عند الانخفاض التي هيمنت على العقد الماضي. ويحذر من أن "التضخم هو مادة الكريبتونايت لنظام التقلب المنخفض".