خواطر من برلين .. كوفيد يجلب شعورا مستمرا بالحيرة والإحباط
المعدلات المرتفعة للإصابة والوفيات، الحديث عن اللقاح الإلزامي وحظر السفر، لا يمكن الوصول للمواصلات العامة، أو أماكن العمل، أو المطاعم دون إثبات تلقي اللقاح أو نتيجة الفحص أو التعافي...
أصبحت الأخبار الواردة من ألمانيا تزداد دراماتيكية مع مرور الأيام، وسط توقعات بأنها قد تزداد سوءا. الأمر مختلف جدا عن الوضع الذي شهدته في برلين قبل بضعة أسابيع فقط. حينها كان يبدو أن الحياة الطبيعية قد عادت إلى المدينة – وإن كان ذلك مع كثير من ارتداء الأقنعة في داخل المباني. ولكونها ألمانيا، كان ينظر إلى ذلك على أنه أمر عالمي ينطلق من الإحساس بالمسؤولية. غالبا، كان الحديث يتعلق بما كان يحدث في المملكة المتحدة، حيث كانت معدلات الإصابة في أوج ارتفاعها.
الآن انعكس الوضع وأصبحت الأحاديث مع الأصدقاء والعائلة في برلين تدور عن احتمال إلغاء خطط عيد الميلاد (مرة أخرى)، والشعور المستمر بالحيرة والإحباط من أن عدد غير المطعمين لا يزال مرتفعا نسبيا.
تختلف الإجابات – من عدم الثقة بشركات الأدوية الكبرى إلى الكراهية الموجهة للدولة، ومن التنسيق السياسي غير الكفؤ إلى المتطرفين الذين يؤمنون بنظرية المؤامرة ويتسببون ف الأذى – وفقا لمن تسأل.
رجل الأدب
كان أحد أسباب وجودي في برلين هو حضور حفل تذكاري للكاتب كارل هينز بوهرر. واقفين على شرفة دار نشره في ميتي، في وسط برلين الشرقية، ناظرين عبر أفق المدينة دائمة التغير بوافديها الجدد اللامعين المعتادين على تحمل الصعاب ومعيدي صناعة الزخرفة المفرطة، فكر الأصدقاء والزملاء في حياة رائعة ومزدحمة امتدت لتسعة عقود حتى وفاته في لندن هذا الصيف.
نجم بارز في عالم الآداب والأوساط الأكاديمية الألمانية – "راديكالي حر" أو "توم سوير الألماني"، كما أطلق عليه بعضهم – عمل كارل هاينز بالتدريس في ألمانيا وفي ستانفورد، وحرر مجلة برلين الثقافية المؤثرة من باريس ولاحقا من لندن. كما كان يكتب بغزارة. كانت هناك عشرات الكتب حول موضوعات تراوح من حالة بريطانيا وجماليات الخوف وبهجة ما هو غير متوقع، إلى مقالات عن الثقافة الأوروبية ومجلدين من المذكرات التي لقيت استحسانا واستحوذت على ألمانيا في فترة ما بعد الحرب.
ببلوغه سن الرشد في عالم ألمانيا الغربية المحبط في خمسينيات القرن الماضي – حيث كان من الأفضل عدم الحديث عن الماضي – استمر كارل هاينز في مشاهدة الاضطرابات الفكرية والسياسية في الستينيات وتاريخها. كان صديقا لأولريك مينهوف، التي كانت ذات يوم إحدى أذكى كاتبات الأعمدة في جيلها وأكثرهم ثباتا، التي حاولت تحويله إلى قضيتها قبل اعتناقها للإرهاب. لكن كارل هاينز كان طوال حياته ليبراليا شديدا وأصبح مراقبا نقديا لتأثير التفكير اليساري الجديد على الحياة الأكاديمية والأدبية.
كان لديه أيضا ارتباط عميق بإنجلترا – في جولة في الخمسينيات بعد ترك المدرسة عمل مراسلا في لندن لصحيفة فرانكفورتر ألجماينه تسايتونج، وغطى موضوع الجيش الجمهوري الإيرلندي وكرة القدم والصراع الصناعي وكتب كتابا رثائيا عن أمة تصارع الانحطاط.
كانت ألمانيا الغربية – قبل إعادة التوحيد – بكل ضجيجها المخيف، هدفا خاصا للألعاب النارية اللغوية لكارل هاينز، وكان يتم إطلاقها بشكل نموذجي لاذع ودقيق بشكل جراحي ومضحك بشكل لا ينسى. في المقالات والكتب، هاجم ما وصفه بالإقليمية القمعية والمنعزلة لأمة من أقزام الحدائق التي تتمايل خلف التعريشة؛ أعمال الخير المتعجرفة التي تم استغلالها في مسيرات بالأثواب الخشنة والأضواء الخيالية؛ الغطرسة الضيقة لليسار الفكري؛ والطرق الحذرة والمتذبذبة الأبدية في أعوام ميركل.
كنت سأحب أن أعرف ما الذي كان سيستخلصه من التحولات السياسية الأخيرة. داخل أو خارج الصفحة، لم يكن كارل هاينز مملا أبدا، كما أوضحت عبارات التقدير، فقد ترك انطباعا عميقا لدى جيل الشباب من الكتاب والمحررين الألمان.
برلين تكتب فصلا جديدا
كانت روايات برلين باللغة الإنجليزية تستقطب حلقة مألوفة حولها: النازيون، فايمار، والجواسيس، أو حتى كل ما سبق مجتمعين. لكن الأعوام القليلة الماضية جلبت تدفقا مستمرا من القصص التي تحدث في برلين التي تبرز ملاحظة جديدة، من كتاب هاري كونزرو وكريس بورز آلونلي مان إلى كتاب ماثيو سبيرلينج فايرال وكتاب لورين أويلر فيك أكاونتس.
في العام المقبل تأتي رواية إيما هاردينج فريدريششتراسه ومذكرات إيمي ليبروت القوية، ذا إنستانت. يتبع آخرون نمطا جديدا: المغتربين الذين تم إغراؤهم للمجيء إلى العاصمة الألمانية من خلال احتمال الحصول على إيجارات أرخص، ورواتب سخية، وأسلوب حياة أسهل، وربما أكثر هدوءا، واللغة الإنجليزية مستخدمة هنا – نوع من وجود الطالب المتكاسل الممتد – حيث يتفاعلون مع موضوعات أكثر عالمية للعلاقات السيئة والارتياب والتوترات الجيوسياسية. ويتطرق آخرون إلى الموضوعات المحلية مثل المشهد التكنولوجي المتطور في برلين. ليست دائما قراءة مريحة، لكنها فصل جديد.
أموال قديمة.. أفكار جديدة
لأعوام، بدا أن المشهد التكنولوجي أحد تلك الأمور التي في الأغلب ما تتفوق فيها برلين: الكثير من الوعود والخيال والتخيل، وعدم تحقق هذه الأشياء. كان هناك خطاب حول كيف أن المبرمجين في الساحات الخلفية للكتل السكني في برينزلوير بيرج وكروزبرج كانوا يسيرون على خطى الأجيال السابقة من الرواد التكنولوجيين – مثل شركة سيمنز، وشركة بورسيج، وشركة زوس وشركاه – يبدو أمرا رائعا. إنه فقط الجزء المتعلق بتحويل هذا إلى منتجات ومبيعات ووظائف – وضرائب – الذي ثبت أنه بعيد المنال بعض الشيء.
يبدو أن هذا يتغير الآن. أعداد الشركات الرقمية الناجحة، مثل شركة ديليفري هيرو أو شركة ترايد ريببلك اللتين تتوسعان باستمرار، تنمو وتجذب اهتمام المستثمرين – كما اتضح لي عندما قمت بزيارة إحدى تلك المباني الخرسانية شبه الوحشية التي تعود إلى حقبة الشيوعية التي لا تزال موجودة بمحاذاة شارع كارل ليبكنخت إلى برج التلفزيون الشهير في برلين.
على مرمى حجر من موقع البورصة القديمة وعلى الطريق من الجامعة حيث اكتسب الشابان ماركس وإنجلز ذوقا للفكر الراديكالي، تم بناء المبنى لعرض ثقافة وأسلوب حياة "الدولة الشقيقة الاشتراكية" في ألمانيا الشرقية. الآن هذا المكان "موقع غير رئيس" رائع يستضيف أحداثا مثل تلك التي عقدتها شركة لا فامليجيا، وهي شركة محلية لرأس المال المغامر تجمع بين الأموال القديمة والأفكار الجديدة. تتمتع هذه الأحداث بالعقلية الدولية والتواصل الجيد والبنية الجادة، إنه مزيج وحشد لم يجتمع حقا في برلين إلا على مدار العقد الماضي أو نحو ذلك. الآن المنافسة شرسة على المواهب؛ الرواتب (مع الإيجارات) آخذة في الارتفاع. مع ذلك، لا تزال هناك بعض العوامل الدائمة: كما أشار أحد المتحدثين، لا يزال يتعين على أوروبا إنجاز بعض الأعمال في مجال التكنولوجيا الواعدة والعمل وفقا لها بدلا من التركيز على المشكلات.
التحكم بالمرور
إن إيجاد مشكلة من حل هو شيء من تخصص برلين. سابقا في التسعينيات، بصفتي المراسل الوحيد لصحيفة فاينانشيال تايمز في هاوبتشتات (العاصمة)، كتبت مقالة تحليلية إخبارية شاملة حول مطار جديد مقترح لبرلين الموحدة العائدة إلى الخدمة في الخطوط الأمامية عاصمة وطنية. تمشيا مع مزاج العصر، كانت الخطط ضخمة وطموحة: جمالية فيلتشتات (المدينة العالمية).
أكسبتني المقالة قدرا لا بأس به من النقد. مازحني زميل ألماني كريم: "لقد انطلى عليك الأمر، لن يتم بناؤه أبدا". لكنه كان مخطئا في هذا الأمر – مع الأسف. الآن علينا أن نتعايش مع "بي آي آر" – مطار برلين براندنبورج الدولي الذي تأخر كثيرا وتجاوز النفقات، الذي منذ افتتاحه أخيرا في العام الماضي كان يقدم خدمة عملاء مثيرة للسخرية، ومستويات الحقبة الشيوعية من طوابير الانتظار، ويقوض سمعة ألمانيا من حيث الكفاءة.
ربما كانت هذه مشكلات أولية وقصيرة، لكن هناك بالفعل دعوات لقبول الهزيمة وسحب الأمر برمته والبدء من جديد "لا تحسب برلين أمرا أكثر من مشروع بناء ضخم لتعطيل وتشتيت نفسها". في كلتا الحالتين، بقي علي أن أتحقق من خيارات القطار لرحلتي المقبلة – بافتراض أن فيروس كورونا سيجعل ذلك ممكنا.